الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه
منقول موقع فضيلة الشيخ عبد الله السعيد الصيادي الرفاعي شيخ الطريقة الرفاعية
جمع الإمام الغزالي بين الريادة الفلسفية والموسوعية الفقهية والنزعة الصوفية الروحية، اتسم بالذكاء وسعة الأفق وقوة الحجة وإعمال العقل وشدة التبصر، مع شجاعة الرأي وحضور الذهن، كل ذلك أهّله ليكون رائدا في تلك العلوم المختلفة والفنون المتباينة؛ فكان الغزالي فيلسوفا وفقيها وصوفيا وأصوليا، يحكمه في كل تلك العلوم إطار محكم من العلم الوافر والعقل الناضج والبصيرة الواعية والفكر الراشد، فصارت له الريادة فيها جميعا، وأصبح واحدا من أعلام العرب الموسوعيين المعدودين.
الميلاد والنشأة
ولد أبو حامد الغزالي بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي بقرية “غزالة” القريبة من طوس من إقليم خراسان عام (450هـ = 1058م)، وإليها نسب الغزالي. ونشأ الغزالي في بيت فقير لأب صوفي لا يملك غير حرفته، ولكن كانت لديه رغبة شديدة في تعليم ولديه محمد وأحمد، وحينما حضرته الوفاة عهد إلى صديق له متصوف برعاية ولديه، وأعطاه ما لديه من مال يسير، وأوصاه بتعليمهما وتأديبهما.
اجتهد الرجل في تنفيذ وصية الأب على خير وجه حتى نفد ما تركه لهما أبوهما من المال، وتعذر عليه القيام برعايتهما والإنفاق عليهما، فألحقهما بإحدى المدارس التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، والتي كانت تكفل طلاب العلم فيها.
ودرس الغزالي في صباه على عدد من العلماء والأعلام، أخذ الفقه على الإمام أحمد الرازكاني في طوس، ثم سافر إلى جرحان فأخذ عن الإمام أبي نصر الإسماعيلي، وعاد بعد ذلك إلى طوس حيث بقي بها ثلاث سنين، ثم انتقل إلى نيسابور والتحق بالمدرسة النظامية، حيث تلقى فيها علم أصول الفقه وعلم الكلام على أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ولازمه فترة ينهل من علمه ويأخذ عنه حتى برع في الفقه وأصوله، وأصول الدين والمنطق والفلسفة وصار على علم واسع بالخلاف والجدل.
وكان الجويني لا يخفي إعجابه به، بل كان دائم الثناء عليه والمفاخرة به حتى إنه وصفه بأنه “بحر مغرق”.
بزوغ شمس الغزالي
استقر المقام بالغزالي في نيسابور فترة طويلة حيث تزوج وأنجب، وظل بها حتى توفي شيخه الإمام الجويني في عام (478هـ = 1085م) فغادرها وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره.
خرج الغزالي إلى “المعسكر” فقصد الوزير السلجوقي “نظام الملك” الذي كان معروفا بتقديره العلم ورعايته العلماء.
واستطاع الغزالي أن يحقق شهرة واسعة بعد أن ناظر عددا من الأئمة والعلماء وأفحم الخصوم والمنافسين حتى اعترفوا له بالعلم والفضل، فارتفع بذلك ذكره وذاع صيته، وطار اسمه في الآفاق.
واختاره نظام الملك للتدريس بالمدرسة النظامية في بغداد فقصدها في سنة (484هـ = 1091م) وكان قد بلغ الرابعة والثلاثين من عمره، وقد استُقبل فيها استقبالا حافلا، وكانت له مهابة وجلال في نفوس العامة والخاصة، حتى غلبت حشمته الأمراء والملوك والوزراء.
وصرف الغزالي همته إلى عقد المناظرات، ووجّه جهده إلى محاولة التماس الحقيقة التي اختلفت حولها الفرق الأربعة التي سيطرت على الحياة الفكرية في عصره وهي: “الفلاسفة” الذين يدّعون أنهم أهل النظر والمنطق والبرهان، و”المتكلمون” الذين يرون أنهم أهل الرأي والنظر، و”الباطنية” الذين يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالأخذ عن الإمام المعصوم، و”الصوفية” الذين يقولون بأنهم خواص الحضرة الإلهية، وأهل المشاهدة والمكاشفة.
رحلة البحث عن الحقيقة
غلاف كتاب إحياء علوم الدين
وسعى الغزالي جاهدا ليتقصى الحقيقة بين تلك الفرق الأربعة؛ فدرسها بعمق شديد حتى ألم بها وتعرف عليها عن قرب، واستطاع أن يستوعب كل آرائها، وراح يرد عليها الواحدة تلو الأخرى. وقد سجل ذلك بشكل مفصل في كتابه القيم “المنقذ من الضلال”، ولكنه خرج من تلك التجربة بجرعة كبيرة من الشك جعلته يشك في كل شيء حتى مهنة التدريس التي أعطاها حياته كلها، وحقق من خلالها ما بلغه من المجد والشهرة والجاه، فلم تعد لديه الرغبة في أي شيء من ذلك.
وظل الغزالي على تلك الحال من التردد نحو ستة أشهر حتى قرر مغادرة بغداد، وفرّق ما كان معه من مال ولم يدخر منه إلا قدر الكفاف وقوت الأبناء.
واتجه إلى الشام حيث أقام بها نحو عامين، فكان يقضي وقته معتكفا في مسجد دمشق، لا شغل له إلا العزلة والخلوة والرياضة الروحية ومجاهدة النفس والاشتغال بتزكيتها وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى.
ثم انتقل من دمشق إلى بيت المقدس فكان يدخل مسجد الصخرة كل يوم ويغلق الباب على نفسه وينصرف إلى
عزلته وخلوته.
وهناك بدأ في تصنيف كتابه الشهير إحياء علوم الدين، ثم ما لبث أن عاد مرة أخرى إلى دمشق ليعتكف في المنارة الغربية من الجامع الأموي، حتى إذا ما دعاه داعي الحج اتجه إلى مكة ليؤدي فريضة الحج سنة (489هـ = 1096م) ثم زار المدينة المنورة.
وعاد الغزالي من الحج إلى دمشق مرة أخرى حيث عكف على إنجاز كتاب الإحياء، وفي العام التالي رحل إلى بغداد، لكنه لم يستأنف العمل بالتدريس بها، وما لبث أن ذهب إلى خراسان وظل حريصا على الخلوة، مواظبا على حياة الزهد والتأمل وتصفية القلب لذكر الله، واستمر على تلك الحال نحو عشر سنوات، يجمع بين التمتع بالخلوة والذكر والتأمل، والأخذ بأسباب الحياة والتغلب على عوائقها، واستطاع خلالها الوصول إلى تلك الحقيقة التي راح يبحث عنها، والاهتداء إلى ذلك اليقين الذي راح يبثه في تلاميذه ومريديه: يقين الصوفية الحقة الذي استمد دعائمه من مشكاة النبوة الصافية وجوهر الإسلام الخالص.
وعندما تولى “فخر الملك علي بن نظام الملك” الوزارة في نيسابور سنة (498هـ = 1104م) عقب اغتيال أبيه على يد بعض الباطنية، ألح على الغزالي في العودة إلى التدريس في نظامية نيسابور، واستجاب له الغزالي إلا أنه لم يستمر بها أكثر من عامين؛ إذ سرعان ما ترك التدريس ثانية بعد اغتيال فخر الملك على يد أحد الباطنية في المحرم (500هـ = 1106م).
وعاد الغزالي إلى مسقط رأسه في طوس فبنى بها مأوى للطلاب والصوفية ممن يقصدونه، وظل بها فلم يبرحها حتى توفي.
صاحب رسالة
كان الغزالي منذ حداثة سنه يشعر أنه صاحب رسالة، وقد أدرك منذ صباه ذلك الصراع الدائر بين الفرق الدينية المختلفة والتيارات الفكرية المتناحرة، وهو ما حظي بقدر كبير من الاهتمام والجدل في عصره؛ ولعل ذلك ما أغراه بدراسة تلك الفرق والطوائف والتصدي لها في العديد من مؤلفاته ومناظراته.
وبالرغم من النزعة الصوفية التي سيطرت عليه طوال حياته، والتي كان لنشأته وبيئته الأولى أثر كبير في ترسيخها في عقله ووجدانه، فإنه لم ينعزل عن قضايا مجتمعه ومشكلات أمته، وإنما اهتم برصد ما يدور حوله من تيارات فكرية ومذاهب دينية واتجاهات فلسفية، وتصدى لها بالنقد والتحليل، فجمع بين روحانية الصوفية في صفاء العبادة وشفافية الوجدان وعمق الإيمان والزهد في الدنيا، وبين النزعة العقلية العلمية في النظر إلى الأمور الدنيا والدين على حد سواء، وحرية الفكر وشجاعة الرأي.
وكان الغزالي معنيًا بأمر الدين، مهتمًا بالذبّ عن العقيدة الخالصة والإسلام الصحيح، وقد تجلى ذلك في العديد من مؤلفاته مثل: المنقذ من الضلال، وفضائح الباطنية، وتهافت الفلاسفة، بل إنه في كتابه الضخم وموسوعته الكبرى “إحياء علوم الدين” يستشعر هدفا أسمى ودورا أعظم ويضع نصب عينيه غاية أبعد بأنه مجدد الدين في القرن الخامس الهجري، ويتجلى ذلك بوضوح في العنوان الذي اختاره لدرته الرائعة وكتابه الفريد “الإحياء”.
من الشك إلى اليقين
تميز الغزالي الفيلسوف بالجرأة والشجاعة والذكاء؛ فقد واجه الاتجاهات الفكرية المختلفة التي سادت في عصره بذكاء وشجاعة نادرين، وكان نقده مركزا على نقد الفرق المتطرفة من منطلق إخلاصه للإسلام، وكان في نقده لها يتسم بالنزاهة والموضوعية، وأثبت الغزالي في رده على الفلاسفة مخالفتهم للإسلام في بعض الجوانب، وحذر الناس من اتباع طريقتهم من غير مناقشة أو تمحيص، كما كشف عن أباطيل الباطنية، وفضح ضلالاتهم بعد أن درس أسرار مذهبهم وعرف حقيقة أفكارهم، وكان أمر تلك الفرقة قد استشرى واستفحل خطرهم سياسيا ودينيا، وقد أراد الغزالي من رده عليهم تحجيم خطرهم والتقليل من نفوذهم الديني والسياسي بعد تعريتهم والكشف عن زيفهم وضلالهم وتوضيح أهدافهم.
وكان الغزالي في فلسفته يعبر عن شغفه بالعلم والبحث عن الحقيقة، وقد اتبع منهجا عقليا يقوم على فكرتين أساسيتين هما: الشك، والحدس الذهني.
وقد عبر عن ذلك بوضوح في قوله: “إن العلم اليقيني هو الذي يُكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم”.
ويعبر عن تجربة البحث عن الحقيقة التي تبدأ عنده بالشك فيقول: “فأقبلت بجدٍّ بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات وأنظر: هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا”.
وهو يفسر ذلك بأنه “من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى في العمى والضلال”.
وهذا المنهج الذي اتبعه الغزالي منذ أكثر من تسعة قرون شديد التشابه بما قدمه الفيلسوف الفرنسي ديكارت وهو ما يؤكد تأثره بالفيلسوف الإسلامي الكبير وأخذه عنه؛ فقد عاش الفيلسوفان التجربة المعرفية ذاتها، وإن كان فضل السبق والأصالة يظل الغزالي، فعبارة الغزالي الشهير “الشك أول مراتب اليقين” التي أوردها في كتابه “المنقذ من الضلال” هي التي بنى عليها ديكارت مذهبه، وقد أثبت ذلك الباحث التونسي “العكاك” حينما عثر بين محتويات مكتبة ديكارت الخاصة بباريس على ترجمة كتاب المنقذ من الضلال، ووجد أن ديكارت قد وضع خطًا أحمر تحت تلك العبارة، ثم كتب في الهامش: “يضاف ذلك إلى منهجنا”.
موقفه من العقل
تحول الغزالي من الفلسفة إلى التصوف بعد أن استقر في وعيه ووجدانه أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى، خاصة أن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.
ورأى أن التصوف هو المنهج الأفضل في تلقي المعرفة اليقينية الملائمة، وهو في تصوفه لا يهمّش العقل، ولا يقلل من دوره، بل على العكس من ذلك؛ فإن للعقل عنده دورا أساسيا في سلوك طريق التصوف؛ إذ إن العلم اللدني عنده لا يتأتى إلا بعد استيفاء تحصيل جميع العلوم، وأخذ الحظ الأوفر منها والرياضة الصادقة للنفس والمراقبة الصحيحة لله مثل التفكر الذي يفتح للمتفكر أبواب العلم ويصير به من ذوي الألباب.
والغزالي يحتج بالعقل على غلاة الصوفية القائلين بالفناء والاتحاد، ويرى أنه قد ينكشف للصوفي ما لا يمكن للعقل إدراكه، ولكن ليس من الممكن أن ينكشف له شيء يحكم العقل باستحالته، فالعقل عنده هو الميزان الذي قيضه الله للإنسان لقياس مدى صدق معارفه ووضع الحدود لها، ومن ثم فإنه ليس ثمة تعارض بين مقتضيات التعقل، وشئون الإيمان الديني. ويرى أن من لم تكن بصيرته الباطنية ثاقبة فلن يعلق به من الدين إلا قشوره. أما في مسائل الإلهيات والغيب فيقرر أنه ليس للعقل دور أكثر من تقبلها والتسليم بصدقها.
ومما لا شك فيه أن الغزالي قد ساهم بتلك العقلية الواعية في تنقية التصوف من كثير من البدع والانحرافات، وأعطى التصوف والحياة الروحية بعدا عقليا جديدا، وإذا كان الإمام الأشعري قد خلّص علم الكلام من السفسطة الساذجة للمتكلمين القدامى المقتدين بالجدل اليوناني، فإن الإمام الغزالي قد أكد للإسلام قوة الحياة الدينية بتقرير الاعتراف بما نبت فيها من تصوف، وأسسه تأسيسا فلسفيا.
الغزالي والتربية الخلقية
تهدف التربية الخلقية عند الإمام الغزالي إلى تحقيق بعض الغايات والأهداف التي تؤدي إلى رفع المستوى الروحي والخلقي والفكري والاجتماعي والسياسي للفرد والمجتمع، ومن تلك الأهداف التي حرص الغزالي على تحقيقها.
1- الكمال الإنساني: وذلك بارتقاء النفس الإنسانية من مجال الحس إلى مجال التفكير، والارتقاء بالإنسان من مستوى الخضوع للأهواء والشهوات إلى مقام العبودية لله، حتى تصل إلى حالة تطل بها على عالم الغيب، فتطّلع على الحقيقة، وتصل إلى أقصى مراتب الكمال الإنساني باقترابها من الخالق سبحانه وتعالى.
2- تربية النفس على الفضيلة: فقد ركز الإمام الغزالي على أساسيات الفضائل، واعتبرها أربعة هي: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل.
ويرى أن تحقيق الفضيلة إنما يكون من خلال تصفية القلب لذكر الله تعالى، والعمل على تزكية النفس وتهذيب الأخلاق.
ويؤكد الغزالي على أهمية الفضائل ودورها في ضبط قوى النفس الإنسانية، وتنمية الاستعدادات الفطرية الخيرة فيها.
3- تهذيب قوى النفس الإنسانية: وهو يرى أن ذلك لا يعني قمع نزعاتها وغرائزها واستئصالها تماما، فإن ذلك مخالف لفطرة الإنسان وطبيعته؛ لأن الشهوة إنما خلقت لفائدة، ولها وظيفة لا غنى للإنسان عنها، ولا بقاء له من دونها، فشهوة الطعام ضرورية لحياته ونموه، وشهوة الجنس تحفظ النسل وتساهم في بقاء النوع الإنساني، ولكنه يربط هذه الشهوات بالاعتدال والعفة والعقل.
4- حسن توجيه طاقات الأمة: فالغزالي يؤكد على أهمية حفظ طاقات النفس وتوجيهها للإفادة منها على النحو الأمثل، كما دعا إلى ضرورة تخليص الأمة من الشهوات المفسدة للروح الإسلامية، وأكد على الأثر التهذيبي للشريعة الإسلامية في كل من الفرد والمجتمع.
5- تكوين الشخصية المتوازنة: ويركز الغزالي في التربية الخلقية على المكونات الرئيسية للنفس الإنسانية وهي: العقل والروح والجسم، وينظر إليها باعتبارها كيانا واحدا متكاملا، ومن ثم جاء تأكيد الغزالي على بعض الأساليب والطرائق التربوية التي تتناول تلك المكونات بشكل متكامل ومتوازن، كالمجاهدة والرياضة لتزكية القلب والروح، والتفكر لتربية العقل، وترقية النفس الإنسانية في مجالات الإدراك، واللعب لتربية الجسم وتنشيط العقل والحواس.
6- إرضاء الله سبحانه وتعالى: دعا الغزالي إلى توخي إرضاء الله تعالى، وحذر من مطامع الدنيا الفانية، وحث على إحياء الشريعة الإسلامية والتماس رضوان الله تعالى، ولذلك فهو يرى أن من أهداف التربية الخلقية إعداد الإنسان في هذه الحياة الفانية للدار الآخرة الباقية؛ لأن الغاية المثلى للإنسان في هذه الدنيا هي حسن العبودية لله وتمام الطاعة والخضوع له.
الغزالي فقيها أصوليا
كان الغزالي فقيها أصوليا بارعا، وقد ترك تراثا فقهيا كبيرا يدل على مدى تمكنه من هذا العلم وعلو منزلته فيه، ومن أهم مؤلفاته في أصول الفقه:
-”المنحول في علم الأصول”، وكان قد صنفه في مطلع شبابه وكان شافعيا متحمسا، وتناول فيه الأحكام الشرعية والأحكام التكليفية، وبيّن الواجب والمندوب والمحظور والمكروه، كما تحدث عن الإجماع والقياس والترجيح، وتناول الفتوى والاجتهاد وأحكامه، والتقليد وأحكامه، ثم ذكر سبب تقديمه مذهب الشافعي على بقية المذاهب.
-”البسيط في الفروع”: وهو كتاب في الفقه الشافعي، وصفه ابن خلكان بقوله: “ما صُنّف في الإسلام مثله”، وقد تحدث فيه عن القصاص والجنايات التي تستوجب الحد، كما تناول السبق والرمي، والنذور والشهادات والدعاوى والعتق، واختصره الغزالي مرتين بعنوان: الوسيط والوجيز.
-”شفاء العليل في القياس والتعليل”: وتناول فيه مسائل القياس والعلة والدلالة، كما ذكر شروط القياس وكيفيته، وذكر بعض المسائل التي توضح ذلك.
-”إحياء علوم الدين”: وقد اشتمل على أبواب من العقائد والعبادات والمعاملات، وجمع فيه بين العقل والنقل، وبين الفقه والتصوف، وبين النص والاستدلال.
-”تهذيب الأصول”: وهو كتاب ضخم في علم الأصول، يميل إلى الاستقصاء، والاستكثار يفوق كتابيه: المستصفى والمنخول.
-”المستصفى من علم الأصول”: وهو اختصار لكتابه تهذيب الأصول الذي يميل إلى الاستقصاء، ويفوق كتاب المنخول الذي يميل إلى الاختصار.
الوفاة
وتوفي الإمام الغزالي في (14 من جمادى الآخرة 505هـ = 19 من ديسمبر 1111م) عن عمر بلغ خمسا وخمسين عاما، وترك تراثا صوفيا وفقهيا وفلسفيا كبيرا، بلغ 457 مصنفا ما بين كتاب ورسالة، كثير منها لا يزال مخطوطا، ومعظمها مفقود.
__________________________
أهم مصادر الدراسة:
الإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل: د.محمد إبراهيم الفيومي-دار الفكر العربي-القاهرة 1406هـ = 1986م.
البداية والنهاية: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي تحقيق: د.عبد الله بن عبد المحسن التركي-الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1417هـ = 1997م.
تاريخ الأدب العربي: كارل بروكلمان القسم الرابع 7-8، أشرف على الترجمة أ.د محمود فهمي حجازي- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1413هـ = 1993م.
سير أعلام النبلاء شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي-أشرف على تحقيقه: شعيب الأرنؤوط- مؤسسة الرسالة- بيروت 1410هـ = 1990م.
الغزالي ولمحات عن الحياة الفكرية الإسلامية: د.بهي الدين زيان- مكتبة نهضة مصر- القاهرة 1378هـ = 1958م.
مؤلفات الغزالي: عبد الرحمن بدوي- المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب- القاهرة 1380هـ = 1961م.
نظرية التربية الخلقية عند الإمام الغزالي- عبد الحفيظ أحمد علاوي البريزات- منشورات دار الفرقان- عمان 1404هـ = 1984م.
الوافي بالوفيات: صلاح الدين جليل بن أيبك الصفدي- تحقيق: هلموت ديتر- دار النشر فرانز شتايز فيسبادن 1381هـ = 1962م.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو عباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان- تحقيق: د.إحسان عباس- دار الثقافة- بيروت د.ت
***********
عصر الإمام الغزالي:
عاش الغزالي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، أي في العصر الذي يسميه المؤرخون: العصر العباسي الثالث، والواقع من سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، إلى أربع وسبعين وأربعمائة للهجرة [ 33-474هـ ] وفي الفترة التي تليها().
أولا: الحياة السياسية.
في هذا العصر ضعفت الخلافة العباسية، وكانت تتدرج نحو الهاوية نتيجة الصراع بين دولة بني بويه الباطنية، ودولة السلاجقة السنية وانتهى الصراع بانتصار السلاجقة ودخولهم بغداد وبسطهم سلطانهم على العراق وذلك قبل ولادة الغزالي بثلاث سنين، وكان ذلك بقيادة مؤسس دولتهم ركن الدين أبي طالب، المعروف بطغرل بك الذي مثل أمام الخليفة العباسي القائم بأمر الله فمنحه لقب السلطان.
وأصبحت السلطة الفعلية في يد السلاجقة، واقتصر أمر الخلافة العباسية على السلطة الروحية أو الظاهرية الشكلية(.
ثانيا: ظهور دعــوة الباطنية وانتشارهـا
وبدء الاحتلال الصليبي لبلاد المسلمين
وفي هذا العصر أيضاً انتشر دعاة الباطنية في غرب العالم الإسلامي وشرقه، و أخذوا يدعون إلى إسقاط الإمارات السنية وعلى رأسها الخلافة العباسية، وقد استطاعوا إفساد عقائد الأمة وإثارة الفتن والقلاقل، ومضوا يغتالون الشخصيات السنية المعادية لهم، فقتلوا مئات القادة من الوزراء والعلماء والسلاطين.
وممن ذهب ضحية هذا الغدر الباطني الوزير نظام الملك السلجوقي الذي قتل سنة 485هـ، والوزير فخر الملك الذي قتل سنة 500هـ (.
وحينما كان الباطنية يعيثون في الأرض فساداً يقتلون أركان دولة الإسلام من علماء وأمراء وصلحاء، كانت الحملات الصليبية تنشر وباءها في بلاد الإسلام، وكأنما كان الفريقان على ميعاد(.
ثالثا: الصراع المذهبي
وفي هذا العصر انتشر مذهبان كبيران كان لهما دور كبير في النهضة الثقافية والعلمية.
المذهب الحنبلي الذي أنتج علماء مخلصين ودعاة عاملين، اشتهروا بحماسهم واجتهادهم في جذب جماهير العامة إلى صفوفهم، كما اشتهروا بقدرتهم على إثارة المعارضة أمام الاتجاهات والعناصر التي لا يرضون عنهم متحملين في ذلك ألواناً قاسية من الاضطهاد والأذى.
و إلى جانبهم قام الأشاعرة الشافعية الذين اشتهروا بثقافتهم العميقة وقدرتهم على مواجهة تيار الفلسفة والعقائد الباطنية، وقد أنجبوا في هذه الفترة علماء أفذاذاً كالجويني والغزالي و إلكيا الهراسي.
ومنذ النصف الثاني للقرن الخامس الهجري دخل أشياع هذين المذهبين في صراع مذهبي استنفد جهود الجميع في ميادين لا طائل تحتها، قسم الأمة إلى فرق متناحرة متنافرة، ودحر قضاياها الرئيسية إلى هوامش اهتمامات هذه المذاهب والفرق
رابعا: الحالة العلمية.
مع كل ما ذكرناه سابقاً، كانت هذه الحقبة الزمنية تتسم بنهضة علمية شاملة، فازدهرت فيها الدراسات الإسلامية في التفسير والحديث والأصول والفقه والفلسفة والمنطق بفضل تلاقي حضارات الأمم المختلفة.
ولقد كانت للسلاجقة دوراً كبيراً في هذه النهضة - إضافة لدورهم التاريخي في مقاومة الغزو الصليبي والتصدي للخطر الباطني – فقد قاموا بإنشاء المدارس ودور العلم في كل مكان وصل إليه سلطانهم، كما اعتنوا بالمدرسين والباحثين عناية فائقة وأجزلوا لهم الأعطيات، وكانوا يرون أن العلم من أهم الأسلحة التي تتسلح بها الأمة لتصد أي عدوان يأتيها من الكائدين لها والطاغين عليها.
وقد كان الفضل الأكبر في ذلك للوزير السلجوقي نظام الملك الذي أسس المدارس النظامية في أنحاء العالم الإسلامي
في هذا العصر المليء بالأحداث ولد الغزالي ونشأ وترعرع ولما اشتد عوده عزم على أن يشق له طريقاً وسط هذه الأحداث، ويترك بصماته العلمية في حياة الناس.
المبحث الأول
حياة الإمام الغزالي الشخصية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اسمه ونسبه وأصله وأسرته وبلدته
المطلب الثاني: نشأته – طلبه – تحصيله.
المبحث الأول: حياة الإمام الغزالي الشخصية:
المطلب الأول: اسمه ونسبه وأصله وأسرته وبلدته:
أولاً: اسمه ولقبه:
هو أبو حامد، حجة الإسلام، زين الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي الشافعي([1]).
سمي بـ ( الغَزَّالي) لأن أباه كان غزَّالاً يغزل الصوف، وقيل لأن أصله من قرية (غزالة) من قرى طوس فيكون (الغزالي) بتخفيف الزاي.
ثانياً: مولده ووفاته وبلدته:
ولد الغزالي في الطابران سنة 450هـ الموافق لـ 1058م، وتوفي فيها سنة 505هـ الموافق لـ 1111م .
والطابران إحدى بلدتي طوس، وفي مدينة طوس يوجد قبر هارون الرشيد وقبر الإمام علي الرضا، وفي سنة 617هـ، دمرتها جحافل المغول تدميراً كاملاً لم تنهض منه، وبنيت فيما بعد على مقربة منها مدينة ( المشهد ) وذلك في القرنالثامن الهجري، وتحيط بمدينة المشهد قبور كثيرة منها قبر الغزالي وقبر الرشيد وقبر الإمام الرضا
ثالثاً: أصل الغزالي.
اختلف الباحثون في أصل الغزالي أعربي أم فارسي؟ فهناك من ذهب على أنه من سلالة العرب الذين دخلوا بلاد فارس منذ بداية الفتح الإسلامي، ومن الباحثين من ذهب إلى أنه من أصل فارسي
وأقول: و هذا لا يزيد في مكانة إمامنا الغزالي ما دام أنه نشأ مسلماً وتكلم العربية وخدم لغة القرآن وشريعة الإسلام، إذ إن إثبات العربية
لأصله لن يضيف له مجداً في مجتمع شعاره: (( لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى))
و(( ومن أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه ))
رابعاً: أسرة الغزالي:
1)- أبوه: كان رجلاً فقيراً، صالحاً، يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، فيأكل من كسب يده، وكان يطوف على المتفقهة ويجالسهم، ويتوفر على خدمتهم، ويجد في الإحسان إليهم، والنفقة بما يمكنه، وكان إذا سمع كلامهم بكى وتضرع إلى الله أن يرزقه ابناً ويجعله فقيهاً، ويحضر مجالس الوعظ، فإذا طاب وقته بكى، وسأل الله أن يرزقه ابناً واعظاً، فاستجاب الله دعوته، فرزقه بأبي حامد الذي صار أفقه أهل زمانه وبأخيه أحمد الذي صار واعظاً مؤثراً .
ولما حضرته الوفاة وابناه صغيران أوصى بهما إلى صديق له من أهل الخير، وقال له: إن لي لتأسفاً عظيماً على تعلم الخط و أشتهي استدراك ما فاتني في ولدي هذين، فعلمهما، ولا عليك أن تنفق في ذلك جميع ما أخلفه لهما(
)- عمه: هو الشيخ أبو حامد أحمد بن محمد، الغزالي القديم الكبير، كان عالماً مقدماً مناظراً، ألف في الجدل والخلافيات ورؤوس المسائل توفي سنة 435هـ، قال ابن السبكي وقد وافق هذا الشيخ حجة الإسلام في النسبة الغريبة والكنية واسم الأب، ثم بلغني أنه عمه، فقيل لي: أخو أبيه، وقيل: عم أبيه أخو جده)
3)- أخوه: هو أبو الفتوح مجد الدين أحمد، كان واعظاً مليح الوعظ وكان من الفقهاء غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه، ودرس بالمدرسة النظامية نيابة عن أخيه أبي حامد لما ترك التدريس زهادة فيه، طاف البلاد، وكان مائلاً إلى الانقطاع والعزلة، توفي بقزوين سنة 520هـ.
ومن مؤلفاته: الذخيرة في علم البصيرة - ومختصر الإحياء (
عصر الإمـــام الغزالي رحمه الله.
ويشتمل على:
أولا: الحياة السياسية.
ثانيا: ظهور الباطنية والاحتلال الصليبي.
ثالثا: الصراع المذهبي.
رابعا: الحالة العلمية في عصر الغزالي.
التمهيد:
المطلب الثاني: ( نشأته – طلبه – تحصيله ):
مرَّت حياة الغزالي بعدة مراحل هي:
المرحلة الأولى: مرحلة تربيته الأولى على يد أحد المتصوفة.
المرحلة الثانية: دراسته وتلمذته على يد الإمام الجويني المجدد في المذهب الأشعري ( مضموناً ومنهجاً ).
المرحلة الثالثة: اتصاله بنظام الملك السلجوقي وتدرسيه في نظامية بغداد التي أنشأت خصيصاً للدفاع عن مذهب أهل السنة.
المرحلة الرابعة: خروجه من بغداد بعد الأزمة الروحية التي تعرض لها.
المرحلة الخامسة: عودته إلى التدريس في نيسابور حتى وفاته عــــام
( 505هـ - 1111م ).
أولاً: مرحلة تربيته على يد أحد المتصوفة ( بدايات طلبه العلم ):
لما حضرت والد الغزالي الوفاة وابناه صغيران أوصى بهما إلى صديق له متصوف من أهل الخير، وقال له: إن لي لتأسفاً عظيماً على تعلم الخط، وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدي هذين فعلمهما, ولا عليك أن تنفق في ذلك جميع ما أخلفه لهما
ولما مات الأب أقبل الوصي على تعليمهما إلى أن فني ذلك النذر اليسير الذي خلفه لهما أبوهما، وتعذر على الوصي القيام بقوتهما فقال لهما: ( اعلما أني أنفقت عليكما ما كان لكما، وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما به، و أصلح ما أرى لكما أن تلجآ إلى مدرسة – كأنكما من طلبة العلم – فيحصل لكما قوت يعينكما على
وقتكما، ففعلا ذلك، وكان الغزالي يحكي عن هذا ويقول: ( طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ) (
ثم إن الغزالي قرأ طرفاً من الفقه ببلده على أبي حامد أحمد بن محمد الطوسي الراذكاني(
ودفعته همته العالية إلى طلب العلم في آفاق أوسع فسافر إلى جرجان، وهناك تتلمذ على أبي القاسم إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي وعلق عنه (التعليقة) ثم عاد إلى طوس وفي طريق العودة قطع عليه الطريق.
يقول الإمام أسعد الميهني: فسمعته يقول: قطعت علينا الطريق وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا، فتبعتهم، فالتفت إلى مقدمهم وقال: ارجع ويحك وإلا هلكت.
فقلت له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به؟ .
فقال لي : وما هي تعليقتك ؟
فقلت: كتب في تلك المخلاة، هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها، وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها، وبقيت بلا علم، ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلى المخلاة.
قال الغزالي: فقلت هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري، فلما وافيت طوس، أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين، حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد من علمي
ثانياً: مرحلة تلمذته على الإمام الجويني مجدد المذهب الأشعري:
ولم تقف طموحات الغزالي العملية، عندما حصله، فسافر إلى نيسابور، وهناك تتلمذ على إمام الحرمين الجويني ولازمه، وجد واجتهد حتى برع في المذهب والخلاف والجدل، والأصلين والمنطق وقرأ الحكمة والفلسفة، و أحكم كل ذلك، وفهم كلام أرباب هذه العلوم، وصنف في كل فن من هذه العلوم كتباً أحسن تأليفها وأجاد وضعها.
قال إمام الحرمين يصف تلامذته: ( الغزالي بحر مغدق، وإلكيا أسد مخرق، والخوافي نار تحرق ).
واستمر الغزالي ملازماً لإمام الحرمين حتى مات سنة 478هـ
يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني: ( والتحاق الغزالي بإمام الحرمين لا يمكن فصله عن طبيعة الغزالي نفسه وعن التيارات الفكرية آنذاك، فإمام الحرمين أشعري شافعي، والأشاعرة كانوا يتصدرون الاتجاهات الفكرية، ولذلك كانوا أكثر جاذبية لنفس الغزالي الشاب، ولعقله المتطلع إلى المعرفة والانتماء ) (
ثالثاً: اتصاله بنظام الملك السلجوقي وتدريسه في نظامية بغداد التي أنشأت خصيصاً للدفاع عن مذهب أهل السنة:
لما مات إمام الحرمين رحمه الله خرج الغزالي إلى المعسكر قاصداً للوزير نظام الملك، إذ كان مجلسه مجمع أهل العلم، فناظر الأئمة في مجلسه وقهر الخصوم وظهر عليهم، فاعترفوا بفضله وتلقاه الصاحب بالعظيم، وولاه تدريس مدرسته ببغداد فقدم بغداد سنة 484 ودرس بالنظامية فأعجب الخلق علمه وكماله وفضله
وفي بغداد انصرف إلى دراسة الفلسفة دراسة عميقة، فطالع كتب الفارابي وابن سينا بصورة خاصة، وألف على إثر ذلك كتابه (مقاصد الفلاسفة) ، الذي يدل على إطلاعه وسعة علمه بالفلسفة ثم صنف بعد ذلك كتابه (تهافت الفلاسفة) فأبطل مذاهبهم.
وصنف في هذه الفترة أيضاً كتباً في شتى الفنون، فصنف في الأصول والفقه والخلاف.
رابعاً: مرحلة خروجه من بغداد بعد أزمته الروحية التي تعرض لها (488هـ).
ثم إن الغزالي بعدما علا صيته في بغداد وبزَّ الأقران وصار مطمع طلاب العلم، وملجأ أهل السنة في رد ضلالات الفلاسفة الباطنية، عزف عن الدنيا وأبهتها وخرج من بغداد سنة 488هـ إلى الحج بعد أن استناب أخاه في التدريس .
ثم دخل دمشق سنة 489هـ، فأقام بها أياماً، ومن ثم توجه إلى بيت المقدس فجاور به مدة، ثم عاد إلى دمشق واعتكف بالمنارة الغربية من الجامع،وبها كانت إقامته، فقام بالشام مدة، وهو معتكف على العبادة، وألف في هذه المرحلة (إحياء علوم الدين ) و(الأربعين في أصول الدين)
و أما مدة إقامته في دمشق فقد قال في المنقذ من الضلال: ( ثم دخلت الشام و أقمت فيها قريباً من سنتين )
ثم قال: ( ثم رحلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي )
ثم يقول: ( ودمت على ذلك مقدار عشر سنين )
أي متنقلاً بين دمشق والقدس والحجاز ومصر والإسكندرية وغيرها.
@ ثم ترك الغزالي دمشق و أخذ يجول في البلاد، فقصد مصر و أقام بالإسكندرية مدة، واصل بعدها تجواله.
@ والتقى الغزالي في دمشق الفقيه نصر ابن إبراهيم المقدسي سنة 489هـ و أخذ عنه
………………………………………….. ………
خامساً: عودة الغزالي من عزلته حتى وفاته:
وبعد عودته من دمشق اتجه إلى بغداد وعقد بها مجلس الوعظ وحدث بكتاب الإحياء، ثم رجع إلى مدينة طوس ولازم بيته
قال في المنقذ من الضلال: ( ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق إليه فآثرت العزلة به أيضاً حرصاً على الخلوة، وتصفية القلب للذكر ) (
@ ثم إن الوزير فخر الدين بن نظام الملك حضر إليه وطلب منه أن يدرس في نظامية نيسابور و ألح عليه حتى استجاب له، و أقام في التدريس مدة حتى اغتيل فخر الدين رحمه الله بيد باطني سنة (500)، فاعتزل الغزالي التدريس، و أقام في بلده طوس وبنى مدرسة وزاوية بجوار بيته، وعكف على التعليم والتربية (، ولما استوزر السلطان محمد بن ملك شاه أحمد بن نظام الملك سنة (500هـ )، طلب الوزير من الغزالي الرجوع إلى بغداد وكان محله في المدرسة النظامية لم يسده من يماثل الغزالي وكتب الوزير قوام الدين بن نظام الملك، رسالة للغزالي يبين فيها حرص الخليفة على رجوع الغزالي إليها، ولكنه اعتذر.
وبقي في طوس يدرس ويفيد ويربي الطالبين (
و ألف في هذه المرحلة كتابه المستصفى سنة (504هـ ) .
@ وكان الغزالي لم يتفرغ لدراسة الحديث فأقبل عليه في آخر حياته واستدعى أبا الفتيان، عمر بن أبي الحسن الرواسي الحافظ الطوسي، و أكرمه وسمع عليه صحيحي البخاري ومسلم (
قال عبد القاهر الفارسي: ( وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين البخاري ومسلم اللذين هما حجة الإسلام ) (
وممن سمع الغزالي عنهم الحديث: أبو سهل محمد بن عبد الله الحفصي، سمع منه صحيح البخاري (
والحاكم أبو الفتح الحاكمي الطوسي سمع منه سنن أبي داود (
وقرأ صحيح البخاري ومسلم على عمر بن عبد الكريم ابن سعدويه (
وسمع من أبي عبد محمد بن أحمد الخواري، كتاب ( مولد النبي، كما سمع من محمد بن يحيى بن محمد الزوزني
وفاة الغزالي: وفي آخر أيامه رحمه الله وزع أوقاته بين ختم قرآن ومجالسة أهل القلوب، والعقود للتدريس، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه عن فائدة ، حتى وافته المنية حيث انتقل الغزالي إلى رحمته
تعالى يوم الإثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة، ودفن بظاهر قصبة طابران .
وقد حكى ابن الجوزي عن أخيه أحمد في قصة وفاته:
قال: ( لما كان يوم الإثنين وقت الصبح، توضأ أخي وصلى وقال: علي بالكفن فأخذه وقبله ووضعه على عينيه وقال سمعاً وطاعة للدخول على الملك، ثم مد رجليه، واستقبل القبلة، وانتقل إلى رضوان الله تعالى )
المبحث الثاني:
حياة الإمام الغزالي العلمية والعملية:
ويحتوي على المطالب التالية:
المطلب الأول: العلوم التي برع فيها الغزالي.
المطلب الثاني: موقفه من الفلاسفة والباطنية.
المطلب الثالث: شيوخه وتلامذته.
المطلب الرابع: مؤلفاته، ومؤلفات كتب عنه.
المطلب الخامس: ثناء العلماء عليه.
المبحث الثاني: حياة الإمام الغزالي العلمية والعملية:
المطلب الأول: العلوم التي برع فيها الغزالي
خامساً: عودة الغزالي من عزلته حتى وفاته:
وبعد عودته من دمشق اتجه إلى بغداد وعقد بها مجلس الوعظ وحدث بكتاب الإحياء، ثم رجع إلى مدينة طوس ولازم بيته
قال في المنقذ من الضلال: ( ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق إليه فآثرت العزلة به أيضاً حرصاً على الخلوة، وتصفية القلب للذكر ) (
@ ثم إن الوزير فخر الدين بن نظام الملك حضر إليه وطلب منه أن يدرس في نظامية نيسابور و ألح عليه حتى استجاب له، و أقام في التدريس مدة حتى اغتيل فخر الدين رحمه الله بيد باطني سنة (500)، فاعتزل الغزالي التدريس، و أقام في بلده طوس وبنى مدرسة وزاوية بجوار بيته، وعكف على التعليم والتربية (، ولما استوزر السلطان محمد بن ملك شاه أحمد بن نظام الملك سنة (500هـ )، طلب الوزير من الغزالي الرجوع إلى بغداد وكان محله في المدرسة النظامية لم يسده من يماثل الغزالي وكتب الوزير قوام الدين بن نظام الملك، رسالة للغزالي يبين فيها حرص الخليفة على رجوع الغزالي إليها، ولكنه اعتذر.
وبقي في طوس يدرس ويفيد ويربي الطالبين (
و ألف في هذه المرحلة كتابه المستصفى سنة (504هـ ) .
@ وكان الغزالي لم يتفرغ لدراسة الحديث فأقبل عليه في آخر حياته واستدعى أبا الفتيان، عمر بن أبي الحسن الرواسي الحافظ الطوسي، و أكرمه وسمع عليه صحيحي البخاري ومسلم (
قال عبد القاهر الفارسي: ( وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين البخاري ومسلم اللذين هما حجة الإسلام ) (
وممن سمع الغزالي عنهم الحديث: أبو سهل محمد بن عبد الله الحفصي، سمع منه صحيح البخاري (
والحاكم أبو الفتح الحاكمي الطوسي سمع منه سنن أبي داود (
وقرأ صحيح البخاري ومسلم على عمر بن عبد الكريم ابن سعدويه (
وسمع من أبي عبد محمد بن أحمد الخواري، كتاب ( مولد النبي، كما سمع من محمد بن يحيى بن محمد الزوزني
وفاة الغزالي: وفي آخر أيامه رحمه الله وزع أوقاته بين ختم قرآن ومجالسة أهل القلوب، والعقود للتدريس، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه عن فائدة ، حتى وافته المنية حيث انتقل الغزالي إلى رحمته
تعالى يوم الإثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة، ودفن بظاهر قصبة طابران .
وقد حكى ابن الجوزي عن أخيه أحمد في قصة وفاته:
قال: ( لما كان يوم الإثنين وقت الصبح، توضأ أخي وصلى وقال: علي بالكفن فأخذه وقبله ووضعه على عينيه وقال سمعاً وطاعة للدخول على الملك، ثم مد رجليه، واستقبل القبلة، وانتقل إلى رضوان الله تعالى )
المبحث الثاني:
حياة الإمام الغزالي العلمية والعملية:
ويحتوي على المطالب التالية:
المطلب الأول: العلوم التي برع فيها الغزالي.
المطلب الثاني: موقفه من الفلاسفة والباطنية.
المطلب الثالث: شيوخه وتلامذته.
المطلب الرابع: مؤلفاته، ومؤلفات كتب عنه.
المطلب الخامس: ثناء العلماء عليه.
المبحث الثاني: حياة الإمام الغزالي العلمية والعملية:
المطلب الأول: العلوم التي برع فيها الغزالي
الغزالي رحمه الله موسوعة عصره فلم يترك علماً من العلوم إلا واشتغل فيه، بل وبرع فيه حتى وازى أرباب هذا العلم وفاقهم وكان منهجه يستند إلى الشك العلمي، فيبدأ في دراسته لأي علم بعدة تساؤلات، ثم يدخل في غمار هذا العلم ويتعمق فيه تعمق الخبير المتبصر، ثم يؤلف فيه ذاكراً ماله وما عليه، ويخرج لنا بنظرة مستقلة عن هذا العلم، فهو لا يقبل التقليد ويتمرد عليه وفيما يلي أذكر بعض العلوم التي برع فيها الغزالي على وجه الاختصار:
أولاً: علم الكلام : درس الغزالي علم الكلام على أستاذه المجدد في المذهب الأشعري إمام الحرمين الجويني ولكنه لم ي
المزيد