Yahoo!

علوان الجيلاني والتحرش بالذاكرة

يناير 13th, 2011 كتبها مهدي الجيلاني نشر في , درسات في الموروث الشعبي ولشفاهي

علوان الجيلاني والتحرش بالذاكرة

 

امناجي ثواب وكوميديا الألم

 

سلطان عزعزي


في كتابه الموسوم بـ « امناجي ثواب وكوميديا الألم » يختط الشاعر/ علوان الجيلاني ممراً مميزاً لعبور القول الثقافي، إذ ينفتح قرائياً على الموروث الشفهي التهامي، مستعرضاً من خلال سيرة الشاعر « امناجي ثواب » قصة الإنسان والمكان في منطقة القناوص- محافظة الحديدة- وبإصغاء ومثابرة وجهد ميداني ملحوظ في الكتاب، يلتقط الجيلاني ملمحاً ذا دلالة ثقافية-اجتماعية إنسانية، لا تخلو من القيمة التوثيقية لجزء من تاريخ تهامة ومكابدات إنسانها، حيث يرصد الجيلاني سيرة حياة الشاعر/ امناجي ثواب كاشفاً عن مرحلة تاريخية مفصلية تمتد من 1880م حتى 1945م وهي مرحلة الميلاد والوفاة للشاعر. وبشغف وإحساس ملتهبين يتتبع الباحث علوان الجيلاني تدفق السيرة الشفهية. شعراً ومواقفاً وحكايا من أبناء وأقارب وأحفاد (امناجي ثواب) ليقيم من خلالها بناءً موازياً لنص آخر يجمع بين التوثيق والتدوين وبين و

المزيد


عندما عادت المغنية… ولم تجد الزمن

يونيو 19th, 2010 كتبها مهدي الجيلاني نشر في , درسات في الموروث الشعبي ولشفاهي

 
عندما عادت المغنية… ولم تجد الزمن
علوان مهدي الجيلاني
كانت أمهن راقصة بارعة الأداء بالغة الجمال تجوب القرى والمناطق بين حواز تهامة وجبالها، وحدث أن شاهدها أبوهن إبان شبابه في ريمة فجن بها وترك أهله وتبعها فتزوجها.. واستوطنا قرية دوغان.. إحدى مواطن الهوى في تهامة.. وهناك أنجبت منه البنات والأبناء.
امعيده

(ورة الرقصة الشهيرة امعيدة)

وبخلاف (جمعة) التي تزوجت الدوشان الشهير ناجي وهو من أبناء عمومتها (مات سنة 2000م تقريباً) فإن بنات امريمي قد ذهبنَ مع بداية السبعينيات من القرن العشرين إلى السعودية وتزوجن هناك، ثم توزعنَ في دول الخليج (جمعة) في قطر، و(سلام) في أبو ظبي)، و (امناصف) في الدمام مع أخيها محمد، أما (امعيدة) التي كانت أجملهن وأحلاهن رقصاً فقد عادت إلى البلاد مرتين: الأولى سنة 1986م تقريباً، وجاءت بفرقتها تجوب القرى وكأنها تستعيد زمانها الماضي… ثم عادت وسافرت إلى السعودية لتأتي المرة الثانية إلى البلاد مع أزمة الخليج عام 1990م……
شاهدتها سنة 1992م في بيتنا بالجيلانية وهي تضرب على دف وتغني، ومن أسف أنني لم أكن آنذاك قد وعيت مقدار أهمية توثيق تراثنا الشعبي الذي يضيع ويتسرب من بين أيدينا كل يوم.
اكتفيت –فقط- بمشاهدتها مشغولاً بمقارنة صورتها الحاضرة بصورتها التي بناها خيالي بناء على حديث الناس عن زمانها الأول الذي انتهى قبل أن يتفتح وعيي.
كانت (امعيدة) امرأة خضراء قد تجاوزت الخمسين ومع ذلك ما تزال آثار جمالها السابق تتلو شواهدها في تقاطيع وجهها المتناسق، وحركة جسدها الرشيق إلى حد كبير نسبة إلى عمرها، ومعاناتها نتيجة التشرد بعد الأزمة.
لا يمكن لحاضر تلك اللحظات أن ينسى الحسرات وهي تملأ عيون كل من عرفوها زمان، خاصة وأنها قد نكبت بين من نكبوا وفقدت حياة الرفاه التي كانت تعيشها، ثم عادت لتجوب القرى كما كانت تفعل في نهاية الخمسينيات وسنوات الستينيات.. بعد أن تبدل كل شيء فلا هي مثلما كانت زمان ولا الزمان والمفاهيم والعادات والتقاليد والاستجابات كما كانت .
لا بد أنها كانت تشعر بالفارق الهائل… الفارق الذي صنعته عجلة الزمن وراكمته المتغيرات التي حدثت (فيها) وفي الناس والحياة كلها .. ربما بسبب ذلك لم يكن الحزن يفارق وجهها….كان يتخايل في نبرات صوتها….. في نظراتها التي تمر على الوجوه وتصافح العشش التي صارت تعاني غربة وجود ماحقة…وكأن لسان حالها يترجم قول ابن هتيمل:
لا الزمان الزمان فيما عهدناه قديما

ولا الديار الديار

***
سبق بنات امريمي إلى هذا الفن بنات الدودحي وبنات العسيلي إلا أن بنات امريمي كن شيئاً آخر ….ظاهرة فنية عجيبة لا يزال يذكرها الناس حتى الآن…. كن بارعات في الرقص حد الإدهاش… كانت الواحدة منهن (خاصة امعيدة) يرمى لها بالباولة أو الهللة على الأرض وكانت ترقص حتى تنعطف على عقبها ثم تلتقط الباولة أو الهللة بعينها…. ولم يكن ذلك الإبداع يشكل لذة فرجة شعبية فحسب، بل كان إبداعاً موحياً يتحلق حوله المبدعون ويخلقون له موازيات مشهدية لا تقل روعة عنه…..
الذاكرة الشعبية عينها لا تزال تحفظ للشاعر سود معمى قوله يصور أوضاع جسد (امعيدة) في تلك الرقصة:
امْعِيدَهْ مِثَلَ امْسَاعَهْ لَمَّا تْدُورْ
وَتَسْتَوِي كَامْهَيِكَلْ عَلَى امْصُدُورْ
ونَا وَراء امْعِيدَهْ شَاجْرِي وَهُورْ
وكان بوسع امعيدة أن تفقز وهي ترقص لتضع أصبع رجلها الكبير في حزام راكب على حصان، ثم تطوح جسدها في الهواء راقصة بخفة وكأنها تطير….. كما كان بوسعها أن تضع اصبعها السبابة على طرف أنف واحد من جمهورها ثم ترفع جذعها الراقص كله في الهواء لوقت غير قصير، وكان هذا يذهب بالمتفرجين إلى حالات من الجنون لا توصف….بل تعاين وتعاش..
***
(امعيدة) وأخواتها كن يشبهن إلى حد كبير الغوازي (الغجريات) اللائي يظهرن في المسلسلات والأفلام المصرية، فقد كن يستدعين إلى إحياء الأعراس فيغنين للنساء كما يستمتع بمشاهدتهن الرجال خاصة، وهن لم يكن يقصرن إبداعاتهن على الأعراس، بل كن يتجولن في القرى خاصة في مواسم الحصاد، وزيارات الأولياء وغيرها، وكن يتلقين النقوط من المعجبين ومن أغنياء الناس الذين كانت بيوتهم هي المقصد الرئيس لهن.
وبخلاف سود معمى الذي كان لا يأتي إلا مدعواً مهما كانت المناسبة فإن بنات امريمي كن يتجولن ويدخلن البيوت دون

المزيد


الحلقة الثانية

أبريل 30th, 2010 كتبها مهدي الجيلاني نشر في , درسات في الموروث الشعبي ولشفاهي

سود معمى  أو  الغناء بضمير الجماعة

الحلقة الثانية

علوان مهدي الجيلاني

هو وشعراء عصره

ولد (سود معمى) في نفس الفترة التي مات فيها الشاعر الأسطوري مبارك بكير.. الذي ينتسب إلى قبيلة صليل مديرية القناوص([1]) وشهد جزءاً من حياة الشعراء، امناجي ثواب، ومحمد نهاري، واموسي، ومصلح هادي، وأحمد الجوهري، ولا أدري إن كان قد ارتبط بهم أو عرف شعرهم أم لا. ولكن الأكيد أنه عرف وعاصر بشكل جيد شعراء من سربه وطريقته ومستواه مثل عقص، وجياح (من وادي مور) وسعد الله العدواني (من دير السيف) القناوص، وهم كانوا يغنون للنساء وقد ماتوا مبكراً، وكذلك الشاعر يوسف خبش من النجاري- القناوص، وزبله من بني قيس، وابن غازل الذي يذكره سود في كثير من شعره.

وقد لاحظت من كلامه معي اعتزازه الشديد بنفسه وشاعريته، فهو يرى ألا أحد من الشعراء يستطيع معارضته (يقصد مجاراته)، ولذلك فهو لا يأسِّفْ بهم (أي لا يلقي لهم بالاً)، ولكنه يؤكد أنه نادراًَ ما تعرض له أحد من الشعراء لمعرفتهم مكانته وقدرته، وقد ذكر لي الفنان التشكيلي (عبد الله خميس)([2]) أن  سود معمى خاض مناظرة شعرية مع زبله شاعر بني قيس، فانهزم زبلة لسود مصرحاً أن سود مَعْمَىَ مثل الجمل الهائج إذا لم يجد ما يأكله فإنه يأكل ذراعيه.

ومن أبرز طرائفه الدالة على اعتداده بشاعريته ما حدث في محضر (عرس) عبد الله حسن من أهل الجيلانية وقد كان سود وقتها في شبابه فجيء به ليكون شاعر العرس إلى جانب شاعر يكبره بزمن طويل هو الشاعر يوسف هلهل ـ وهو شاعر من بني عويدان (مديرية القناوص) وكان يقول الشعر على طريقة مبارك بكير ولكن دون مصاحبة القصبة (الناي).. كما أن له منحىً شعرياً هازلاً سماه الشاعر يحيى مناجي: التتنيع (مفرده تُنْعَة، وجمعه تُنَعْ) (أي أنه صاحب مفارقات مضحكة).

حضر سود فبدأالمقيل به .. وعندما وصل هلهل اغتاظ لِمَا رآى من سلطنة سود والتفاف جمهور الحاضرين حوله.. وكان هلهل يرى أن من حقه أن يدل  على الناس بشاعريته وتاريخه الشعري.. فبادره قائلاً:

(الْقُطْ عِجَالْتَكْ وْبُكْ شَخْطِطْ لَكْ فِي امْرَوْنْ.. قَادَعْ رَاعِي امْثِيْرِهْ اللِّي تْنَاكِعْ امْكَدَرْ وْتَضْمِدَ امْعَسَرْ.. وْتْكَسِّرْ امْحَجَرْ)..

والمعنى أن شاعرية سود أو أسلوبه الشعري أشبه بالحراثة على عجول صغيرة السن بمحاريث ضعيفة لا تنفع لحراثة طين الحواز المشعون بالردح والحجارة والطين الصلب، وأن هذا الأسلوب الشعري الضعيف الهش.. سطحي لا يغوص على المعاني العميقة ولا يستخرج كمائن التجارب الإنسانية.. ولا يستكنه لواعج القلوب.. وليست فيه الصور العجيبة المدهشة.. فهو تماماً كمحراث صغير ضعيف يجره عجلان صغيران في أرض رونه (رملية) هشة يكتفي المحراث بشق سطحها فحسب.

أما أسلوبه هو (هلهل) فهو كحراثة طين الحواز الصلب بثيران ومحاريث قوية قادرة على شق الأرض وقلع وتكسير كتل الطين (الكدر).. وتقليب الحجارة التي جاءت بها السيول ودفنتها في الرداح..

وقبل أن يستوعب الناس هجوم هلهل المباغت رد سود:

(ثِيْرْتَكْ تْنَاكْعَ امْكَدَرْ وْتَضْمْدَ امْعَسَرْ وْتَقْلْبَ امْحَجَرْ… لَكَنّ تَلُوْمْتَكْ تَاهَبْ صَرْعُ وَاحِدُ بَسْ.. أمّا نَا غُلّ عَنّكْ.. نَا حَصِّلْ شَبُّ وْحَصِّلْ حَمْرَا وْحَصِّلْ دُخْنُ وْحَصِّلْ زِعْقَا وْحَصِّلْ صْقِيْلُ وْقُطْنُ وْذُرَاتِي تَخْلِفْ وْدُخْنِي يْشُوْلْ)..

ومعنى الرد أن سود يعترف لهلهل بقوة الشاعرية وطول التجربة .. ولكنه يرى أن نَفَسَهُ قصير ومعناه الذي يطرقه واحد وأسلوبه لا يتغير (تلومتك تاهب صرع واحد بس) والصرع هو الحصاد الواحد من الذرة.. تموت بعده الجذور لقلة الماء والروي.. وعدم إشباع المطر لها.. فلا يقوم خلفها.. ناهيك عن كونها زرعاً واحداً.

فيما أسلوبه هو (سود) واسع التنوع كثير المعاني (أنا غلّ عنك = غلتي أكثر من غلتك) وهو يُشبّه تنوّع غنائه بتنوع الرقصات التي يغني على إيقاعاتها (الزير والشرجي والدمه.. والشنب والسيددوم والمخدمي.. والزيفه.. والفدايه) بتنوع المحاصيل الزراعية من ذرة (شب وحمرا) و(دخن) وزعقا (حبحب) وصقيل (دجرا –لوبيا-وقطن) ويشير إلى ثراء معانيه وقدرته على التوليد منها بقوله: (وذراتي تخلف ودخني يشول)…

وقد أعجبت إجابة سود الناس فصاحوا بصوت واحد (ايّاهْ قال إيّاهْ قال إيّاهْ) يشجعون سود ويشدون من أزره..

فنكس هلهل معلناً هزيمته وتسليمه .. غير أن سود كان كريم الخصومة إذ سرعان ما تألق مغنياً هذا الزير الذي ينصف فيه غريمه ويعلي من قدره فيجعله شيخاً للشعراء دون أن ينسى نفسه وقدره الشعري:

دَوِّرْ وَرَا امْسُودْ صَبْحَهْ([3])

 

 

الدُّنْيَا عَلَيّا([4]) ظَلاَمْ

وْلاَ نَا بُدِهْ لَقّطَ امْسُودْ

 

 

شَا قُولْ فِيْهُنْ غُمَامُ([5])

وْمَا رِدّ شِي مْنَ امْحَسَنْيِهْ

 

 

لَتْخَالَفْ نْسَامْ([6])

هَبُوكْ لَمّا امْحَسَنْيِهْ

 

 

فِيْهَا بَنَاتُ زْخَامُ([7])

أَحْمِي عَلَى امْشَبّ جَهْدِي

 

 

لَمّا كِدَنَّهْ طْعَامُ([8])

لاَ مُتّ بِاللهْ ادْفِنُونَا

 

 

وْهَبَوا عَلَيَّا مْقَامُ([9])

ويْسُفْ هُوْ شَاخْ امْشَعَارَهْ

 

 

وْسُودْ هَيْجِهْ عَرَامُ([10])

     

أما ابن غازل (الشاعر دوريش حسن المعروف بابن غازل (1925- 1992م) أشهر شعراء تهامة على الإطلاق في النصف الثاني من القرن العشرين) فأغلب الظن أن (سود معمى) قد التقى به إما في اليمن أو في السعودية، ولكن ليس بين يدي روايات تجمعه به أو أشعار تبادلها معه.. إلا أن لسود نصوصاً كثيرة في الإشادة بشاعريته وتفوقه الإبداعي مثل قوله من لون امشنب على لهجة بني قيس:

وْشَكْتُبْ لابِنْ غَازِلْ([11])

 

 

هُوْ بَيْنَ الشّعَارَهْ يْكِيْلْ([12])

وْدَوّرْتْ في الدّنْيَا([13])

 

 

مَا لْقِيْتْ لُهْ لا مْثِيْلْ([14])

     

ومما لا شك فيه أن (سود) قد ولد  بعد موت مبارك بكير شاعر تهامة الأسطوري بمدة، إلا أن الزمن الذي شب فيه (سود معمى ) كان لا يزال طري الذاكرة بأخبار بكير الأسطورية وبالمحفوظ من شعره، كما أن  (سود معمى) كغيره من الشعراء يقدر بكير تقديراً عالياً، ولم أسمعه يذكر بكير أو يروي له، ولكني وجدته يتخذ من بكير مرجعية له في قوله:

وْنَاسُ كْمَغْصَانْ رَاوِيْنْ([15])

 

مِثْلَ امْغُصُونْ حَقّ مَبْرُوْتْ([16])

 

مَا تَلْكُسَهْ لا شَمَاسِيْ([17])

 

         

فهو في هذا النص يتمرجع في قصيدة بكير ذات القصة المشهورة؛ إذ يروى أن رجلاً عزّب من وادي مور إلى وادي زبيد وكان فقيراً فأعجبه الحال (العيش) هناك فجاور رجلاً فقيراً مثله وولدت له زوجته ابنة بالغة الجمال، وولد لجاره الزبيدي ولد بالغ الوسامة، وقبل أن يشب المولودان مات والدا البنت الموريان، فتبناها جارهما الزبيدي، وكان فرحاً بها وبجمالها ويتمنى أن يزوجها ولده، فلما شبت وشب الولد اشتعل الحب في قلبيهما وهام كل منهما بصاحبه ولكن أحد الحاقدين أبى إلا أن يفرق بينهما، فذهب إلى وادي مور يبحث عن أهل الفتاة حتى اهتدى إلى أعمام لها في المعترض([18]) فأخبرهم بخبر ابنتهم، فجاءوا إلى وادي زبيد، وقاموا بأخذها ومن ثم تزويجها لواحد من أبناء عمومتها.

فأصابت الولد لوثة فتوله وهام على وجهه يصحبه رفيق له، فظلا لفترة يقطعان الوديان من خبت إلى حز، ومن سفح إلى جبل، حتى دخلا ذات يوم شعباً يسمى شعب مبروت فوجدا روداً (عودا/غصناً) عجيباً في اخضراره ورشاقته ولينه وطوله؛ فهو لا يشبه ما ألفوه من أغصان في أشجار البلاد فقطعاه، ثم بدءا ينتقلان من قرية إلى قرية، ومن سوق إلى سوق يستفتيان الناس عنه ولا أحد يعرفه، حتى قيل لهما: إن هذا لا يفتيه (يكشف ماهيته) إلا بكير، فذهبا إليه، وعندما بلغا قريته كان الوقت أوان أذان الصبح، فوجدا بكيراً في قَبَلِ([19]) عشته يحمل في يده إبريقاً من الفخار ليتوضأ، فأسند الولد العاشق الرود (الغصن) على العشة فنام على طولها، وانثنى عليها من الجهة الأخرى حتى لامس الأرض، فرمى بكير الإبريق من يده حتى انكسر وقال:

بَلَغْنِيْ عِلْمْ مَاكِيْ عِلِمْتْ بَهْ ([20])

 

وَلاَ ألّفَوْهْ وَاحْتَفْظْ([21])

وَانَا اقْرَا الْعِلْمْ وَانْبِيْ الْقُرَهْ([22])

 

وَوْعِظْ الّذِي مَا اوْتْعَظْ([23])

وَدِيْرْ فِي دُنْيَا وْآخِرِهْ([24])

 

مِمَّا انْطَعَمْ لِي وْلَظْ([25])

وَانَا افْتِيْ رْكُوعَ الصَّلاهْ([26])

 

خَمْسِهْ عَلَيَّا فَرَضْ([27])

ذَا رودَ امْكِنّ لَهْ هَيْجِهْ تَسْتُرَهْ([28])

 

نُشَمْ وشَوْحَطْ وَمُظّ([29])

ذَا شَرْقَةَ الشّمِشْ مَا تَا صِلَهْ([30])

 

مَعَ غَرْبَةَ الشّمِشْ نَظّ([31])

وَلْكَانَ الْهِنْدْ يَتْفَرّدْ بَأقْصُرَهْ([32])

 

مَبْرُوتْ فَيّضْ وفَضّ([33])

 

ذَا مْزَوّعُ نَاظُّ

 

وذَا عَاشْ مْن امّهْ وْنَظّ([34])

ذَا لاَسَرَى مِن زَبِيْدْ

 

يَهْجَعَ امْزَيْدْيِهْ وْيَصْبِحَ المُعْتَرِضْ([35])

ذَا شَرْقْةَ الشّمشْ مَاتَاصِلَهْ

 

وَلاَ مَسّ خُفّهْ رَمَضّ([36])

ذَا امّهْ مِن امْبْتَارِيِهْ

 

وَعَادْ بُوهْ مِن حَرَضْ([37])

كما أن (سود معمى) يتكئ أيضاً على مبارك بكير في مواطن أخرى منها شعره الشهير:

وْمَنَكّدُ الْقَلْبْ مَجْرُوْحْ([38])

 

مَاكِي وْقَعَنْ لِي إِفَادَهْ([39])

عِنبْ سَفَرْجَلْ وْرُمّانْ

 

تَجْنِيْهْ أوّلْ وَرَادَهْ([40])

وْذَاكَ الْغَرِيمَ الّذي اعْنِيْهْ([41])

 

وْكُلّيْ يْبَلّغْ مُرَادَهْ([42])

وْعِنْدَكْ عَلَى جَرْمَلِيْ جْدِيْدْ

المزيد


ذاكرة شعبية

أبريل 30th, 2010 كتبها مهدي الجيلاني نشر في , درسات في الموروث الشعبي ولشفاهي

 

ذاكرة شعبية
سود معمى
أو
 الغناء بضمير الجماعة
الحلقة الأولى
علوان مهدي الجيلاني
مدخل:
يعد الشاعر المغني (سود معمي) من أشهر شعراء تهامة المغنين… فقد ساهم بشكل كبير منذ ثلاثينات القرن الماضي في إثراء الوجدان الشعبي بإبداعه الذي يرتجله غناء.. يتنوع بحسب إيقاعات الرقصات الشعبية التي يغني عليها.. وقد اهتمت أشعاره بمواجيد الإنسان .. في رحلة الحياة .. ورحلة العيش المرة ..مصوراً التحام أبناء تهامة بالمكان والبيئة وجيراننا فيها مقدما موضوعة الحب بوصفها مغامرة إنسانية مقدسة لا تكتمل رجولة الرجل أو أنوثة المرأه.. بل لا يكتمل بهاء حضورهما الحياتي إلا بها ..
كما التفتت رحلته الإبداعية أيضاً إلى رصد التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية .. وعكسها من خلال وعي الضمير الجمعي في مستوياته البسيطة المتمثلة في أبناء الأرياف الأميين غالباً.. وواكب إبداعه بشكل كبير آثار الغربة بعد منتصف الستينيات من القرن الماضي على المجتمع التهامي.. راصداً ومحتفياً بالمتغيرات التي أحدثتها في عادات الناس ولهجاتهم وملابسهم ومآكلهم  وتبدلات وجهات نظرهم وزوايا رؤيتهم للعالم ..
 
وقد كان لظهور آلات التسجيل وانتشارها في المجتمع التهامي منذ النصف الثاني من ستينات القرن العشرين .. أثرا إيجابيا في توثيق الكثير من أشعار(سود) وبعض من أنواع الإيقاعات التي اعتاد الغناء عليها ..فحفظت له مئات الأشرطة ما يشكل مجلدات من الشعر ..
قدم (سود) معمي فنه من خلال أشهر الرقصات الموجودة في المنطقة .. مثل (الزير – الشنب – المخدمي – الفداية – الزيفة –الشرجي - الدمة) وغيرها وحفظت له الذاكرة الشعبية الكثير من المقاطع الجارحة للأرواح المعبرة عن خلاصة التجربة الاجتماعية في الحب وحكمة الحياة وفلسفة المكان وناسه.
ومما يحسب لـ(سود معمي) .. إعلاؤه لجمال اللون الأسود على كل لون .. فلا يوجد شاعر فصيح أو عامي تغنى بالسود وجمالهن كما فعل (سود) معمي الذي ارتبط جانب كبير من رحلته الإبداعية ببنات امريمي أشهر الشاعرات المغنيات اللاتي كن يجلن خلال القرى ليقدمن إبداعهن حياً طازجاً..وكن كلهن (خمس مغنيات) يتميزن بخضرة اللون وجمال الرقص وعذوبة الصوت ..
مولده ونشأته وبدايته مع الشعر:
ولد الشاعر سود محمد حسن مقعش (من بني امحمد قعش) في قرية السقبان عزلة المقاعشة بحازة صليل – مديرية القناوص، وتحيط بقريته جبال مُقْهُبْ من الشرق وشعوب العِرْجَة (السحلات) من الغرب الشمالي، أما جبل الجرد فيقع إلى الجنوب الشرقي منها، بينما يحدها من الجنوب الجَلَّة ووادي تباب.
ولد الشاعر أعمى وكان إخوته كثيرين، وفي ذلك الزمن قبل خمسة وتسعين عاماً تقريباً كانت جوائح الأمراض المختلفة عادة ما تصيب الناس، فيموت كثير من الأطفال، وكان (سود معمى) عبئاً على أسرته الفقيرة خاصةً في قبيلة محاربة مثل قبيلته (المقاعشة)، فكانت أمه كلما مرض أحد إخوته أو تهدده خطر الموت تفدّيه به، فكان عندما تفعل أمه ذلك يجري إلى بئر قريبة من البيت فيرمي نفسه فيها صارخاً: قولوا لعيشة([1]) تلحقنا (تلحقني)، فكانوا يسارعون إلى إخراجه، وقد تكرر إقدام أمه على تفدية صغارها من الموت به، وتكرر منه الإقدام على رمي نفسه في البئر حتى ضاق بذلك ذرعاً وتحسس منه وشعر أن حياته التي لا نفع منها في تلك الظروف حياة يجب أن تتغير، فطلب من أهله أن يذهبوا به إلى السيد علي جيلان معمى([2])، الرجل الصالح المشهور في محل عابد.
 
وهناك شكا همه للرجل الصالح وطلب منه أن يدعو له، ولكن الرجل كان قد كوشف بمستقبل(سود)، فقال له: اذهب فأنت سوف تشقى([3]) على نفسك وعلى إخوانك… وسوف تعيل خمسة بيوت.
بعد أن دعا له الرجل الصالح بدأ(سود) يقول الشعر، فكان وهو أعمى يتسلق أشجار السدر ويجلس في أعاليها يهجس ويدندن، حتى أصابته شوكة في ظهره بقي أثرها ورماً ظاهراً في ظهره حتى مات… وكان يعتبرها علامة من علامات انطلاقه ويرفض إزالتها.
بعد إصابته بالشوكة أقلع (سود معمى) عن تسلق أشجار السدر، وعن اقتصاره بشعره على نفسه وبدأ يوجه شعره للناس.
وهو لا يستطيع بالضبط تحديد متى بدأ الغناء ولكنه يقول: إنه بدأ في أيام الإمام يحيى حميد الدين –أي أنه قد يكون بدأ الشعر في الثلاثينيات من القرن العشرين-.
أما محمد صغير عويدان وهو أهم وارث لطريقة الشاعر (سود معمى) نعرفه الآن .. وقد صحب (سود) من أول الثورة صحبة متقطعة (لأن سود) كان كثير الأسفار خاصة إلى السعودية، وكانت تنقطع ملازمته له عندما يسافر، ويعود لملازمته كلما رجع).. ثم لازمه بعد عام 1990م بشكل متواصل حتى اليوم (الوقت الذي التقينا به 15/4/2005م) وقد روى لي أن (سود معمى) في بدايته كان يصحب جنياً يوحي له الشعر.. وأن ذلك الجني كان سميره حيثما حل .. وحسب راويتنا (عويدان) فإن صحبة الجن على هذا النحو توجب صون سرهم وعدم كشف الحال للناس.. ولكن (سود) أخل بعهد الصحبة مع ذلك الجني فباح بسره معه وأخبر الناس عنه .. فتركه..
وقول الناس بصحبة الجن للشعراء ليس غريباً أو جديداً .. فالناس في بلادنا .. كانوا وما زالوا يفعلون كما كان يفعل العرب القدامى فينسبون كل إبداع خارق قاله شاعر من الشعراء إلى جني يوحي إليه القول أو حليلة تناجيه به([1])..
ولعل ربط محمد صغير عويدان .. صحبة (سود) للجن ببدايته وأيام شبابه ـ أن (سود) كان في عهد قوته شديد الاعتماد على نفسه رغم عماه. فكان خلاف شعره البديع المدهش وقدراته على الكشف والإشارة ـ يأتي بأفعال لا يصدق الناس أن رجلاً أعمى يقوم بها .. مثل السفر ليلاً على قدميه في الجبال مسافة تزيد على خمسة عشر كيلو متراً .. كما تؤكد هذه الحكاية التي رواها لي عبد الله محمد عويدان([2]):
(من غرائب (سود معمى) التي شاهدتها بعيني أيام شبابي .. أنه ذهب مرة إلى بني امشمري في بلاد بني قيس .. وقامت له سارية هناك.. وحدثت بينه وبين بعض الناس مشادات .. فكان يمدح ناساً ويشتم آخرين.. حتى تعجّب الناس منه.. فقالوا: إنه لئيم يرفع أناساً ويدني آخرين.. وكان ذلك في بيت (على امدحيقي).. فَهَمَّ ناس منهم بـ(سود).. يريدون ضربه.. فخرج من عندهم وحده وهو كما نعرف أعمى.. خرج من الطور.. وقد مضى من الليل الكثير .. وعند أوان المضاحي([4]) مع بزوغ النجمة .. خرجت لأضحي دوابِّي فإذا شخصٌ يضرب بعصاه في مفترق الخُطّين([5]) المؤدي إلى قريتي (دير عويدان) والمؤدي إلى قريته (الهلج).. وكأنه كان محتاراً أيها يسلك.. يضرب برأس العصا منفعلاً.. فأمعنت النظر فيه فعرفته ..
فقلتُ: (سود)..!؟
فقال: هاه.
فقلت: اكبر عليك ميان([3])؟
فقال: من امطور.
فقلت: وحدك؟
فقال: وحدي.
فقلت: من عند مَنْ في امطور؟
فقال: من عند علي دحيقي.
فقلت: ومالك..؟
فقال: طريق امهلج.
فقلت: على شمالك.
فذهب وبقيت في عجب كيف روَّح بنفسه (وحده) دون رفيق بين تلك الجبال والشعاب والمهالك).
فإقدام (سود) على مثل هذه الأفعال تجعل الناس يعتقدون أن جنياً يصحبه بالفعل، وأن علاقته بهذا الجني لا تقتصر على الشعر والكشف والإشارات.. بل تتعداها إلى أنه كان يصحبه في الطريق .. ويدله إلى مسالكها الممهدة.. فلا يضل ولا يتأذّى من وعورة أو هوام..
بطبيعة الحال فإن (سود) بعد أن نضج واتّسعت شهرته -خاصة في الخمسينات والستينات- وصار يدعى إلى الأعراس والمناسبات في سائر البلاد التهامية الواقعة بين واديي سردود ومور من البحر إلى جبال الشريف وملحان والظاهر وبني قيس وكعيدنه وحتى حواز القحرى وباجل.. بمعنى آخر شملت مساحته بلاد الضحي والكدن والزيدية والمنيرة والقناوص ووادي مور والشعابية وبلاد ابن امحمد وعيان ومسلم .. ومغبره والعراجه والحواتم وغيرها.. وصولاً إلى فترة النضج والانتشار الأكبر له من منتصف الستينيات إلى منتصف الثمانينيات.. حين كان يدعى من قبل المغتربين إلى كافة أرجاء المملكة العربية السعودية.. من جيزان إلى المدينة ومن جدة إلى الدمام..
فقد استدعى ه

المزيد