سود معمى أو الغناء بضمير الجماعة
الحلقة الثانية
علوان مهدي الجيلاني
هو وشعراء عصره
ولد (سود معمى) في نفس الفترة التي مات فيها الشاعر الأسطوري مبارك بكير.. الذي ينتسب إلى قبيلة صليل مديرية القناوص([1]) وشهد جزءاً من حياة الشعراء، امناجي ثواب، ومحمد نهاري، واموسي، ومصلح هادي، وأحمد الجوهري، ولا أدري إن كان قد ارتبط بهم أو عرف شعرهم أم لا. ولكن الأكيد أنه عرف وعاصر بشكل جيد شعراء من سربه وطريقته ومستواه مثل عقص، وجياح (من وادي مور) وسعد الله العدواني (من دير السيف) القناوص، وهم كانوا يغنون للنساء وقد ماتوا مبكراً، وكذلك الشاعر يوسف خبش من النجاري- القناوص، وزبله من بني قيس، وابن غازل الذي يذكره سود في كثير من شعره.
وقد لاحظت من كلامه معي اعتزازه الشديد بنفسه وشاعريته، فهو يرى ألا أحد من الشعراء يستطيع معارضته (يقصد مجاراته)، ولذلك فهو لا يأسِّفْ بهم (أي لا يلقي لهم بالاً)، ولكنه يؤكد أنه نادراًَ ما تعرض له أحد من الشعراء لمعرفتهم مكانته وقدرته، وقد ذكر لي الفنان التشكيلي (عبد الله خميس)([2]) أن سود معمى خاض مناظرة شعرية مع زبله شاعر بني قيس، فانهزم زبلة لسود مصرحاً أن سود مَعْمَىَ مثل الجمل الهائج إذا لم يجد ما يأكله فإنه يأكل ذراعيه.
ومن أبرز طرائفه الدالة على اعتداده بشاعريته ما حدث في محضر (عرس) عبد الله حسن من أهل الجيلانية وقد كان سود وقتها في شبابه فجيء به ليكون شاعر العرس إلى جانب شاعر يكبره بزمن طويل هو الشاعر يوسف هلهل ـ وهو شاعر من بني عويدان (مديرية القناوص) وكان يقول الشعر على طريقة مبارك بكير ولكن دون مصاحبة القصبة (الناي).. كما أن له منحىً شعرياً هازلاً سماه الشاعر يحيى مناجي: التتنيع (مفرده تُنْعَة، وجمعه تُنَعْ) (أي أنه صاحب مفارقات مضحكة).
حضر سود فبدأالمقيل به .. وعندما وصل هلهل اغتاظ لِمَا رآى من سلطنة سود والتفاف جمهور الحاضرين حوله.. وكان هلهل يرى أن من حقه أن يدل على الناس بشاعريته وتاريخه الشعري.. فبادره قائلاً:
(الْقُطْ عِجَالْتَكْ وْبُكْ شَخْطِطْ لَكْ فِي امْرَوْنْ.. قَادَعْ رَاعِي امْثِيْرِهْ اللِّي تْنَاكِعْ امْكَدَرْ وْتَضْمِدَ امْعَسَرْ.. وْتْكَسِّرْ امْحَجَرْ)..
والمعنى أن شاعرية سود أو أسلوبه الشعري أشبه بالحراثة على عجول صغيرة السن بمحاريث ضعيفة لا تنفع لحراثة طين الحواز المشعون بالردح والحجارة والطين الصلب، وأن هذا الأسلوب الشعري الضعيف الهش.. سطحي لا يغوص على المعاني العميقة ولا يستخرج كمائن التجارب الإنسانية.. ولا يستكنه لواعج القلوب.. وليست فيه الصور العجيبة المدهشة.. فهو تماماً كمحراث صغير ضعيف يجره عجلان صغيران في أرض رونه (رملية) هشة يكتفي المحراث بشق سطحها فحسب.
أما أسلوبه هو (هلهل) فهو كحراثة طين الحواز الصلب بثيران ومحاريث قوية قادرة على شق الأرض وقلع وتكسير كتل الطين (الكدر).. وتقليب الحجارة التي جاءت بها السيول ودفنتها في الرداح..
وقبل أن يستوعب الناس هجوم هلهل المباغت رد سود:
(ثِيْرْتَكْ تْنَاكْعَ امْكَدَرْ وْتَضْمْدَ امْعَسَرْ وْتَقْلْبَ امْحَجَرْ… لَكَنّ تَلُوْمْتَكْ تَاهَبْ صَرْعُ وَاحِدُ بَسْ.. أمّا نَا غُلّ عَنّكْ.. نَا حَصِّلْ شَبُّ وْحَصِّلْ حَمْرَا وْحَصِّلْ دُخْنُ وْحَصِّلْ زِعْقَا وْحَصِّلْ صْقِيْلُ وْقُطْنُ وْذُرَاتِي تَخْلِفْ وْدُخْنِي يْشُوْلْ)..
ومعنى الرد أن سود يعترف لهلهل بقوة الشاعرية وطول التجربة .. ولكنه يرى أن نَفَسَهُ قصير ومعناه الذي يطرقه واحد وأسلوبه لا يتغير (تلومتك تاهب صرع واحد بس) والصرع هو الحصاد الواحد من الذرة.. تموت بعده الجذور لقلة الماء والروي.. وعدم إشباع المطر لها.. فلا يقوم خلفها.. ناهيك عن كونها زرعاً واحداً.
فيما أسلوبه هو (سود) واسع التنوع كثير المعاني (أنا غلّ عنك = غلتي أكثر من غلتك) وهو يُشبّه تنوّع غنائه بتنوع الرقصات التي يغني على إيقاعاتها (الزير والشرجي والدمه.. والشنب والسيددوم والمخدمي.. والزيفه.. والفدايه) بتنوع المحاصيل الزراعية من ذرة (شب وحمرا) و(دخن) وزعقا (حبحب) وصقيل (دجرا –لوبيا-وقطن) ويشير إلى ثراء معانيه وقدرته على التوليد منها بقوله: (وذراتي تخلف ودخني يشول)…
وقد أعجبت إجابة سود الناس فصاحوا بصوت واحد (ايّاهْ قال إيّاهْ قال إيّاهْ) يشجعون سود ويشدون من أزره..
فنكس هلهل معلناً هزيمته وتسليمه .. غير أن سود كان كريم الخصومة إذ سرعان ما تألق مغنياً هذا الزير الذي ينصف فيه غريمه ويعلي من قدره فيجعله شيخاً للشعراء دون أن ينسى نفسه وقدره الشعري:
|
دَوِّرْ وَرَا امْسُودْ صَبْحَهْ([3])
|
|
|
|
الدُّنْيَا عَلَيّا([4]) ظَلاَمْ
|
|
وْلاَ نَا بُدِهْ لَقّطَ امْسُودْ
|
|
|
|
شَا قُولْ فِيْهُنْ غُمَامُ([5])
|
|
وْمَا رِدّ شِي مْنَ امْحَسَنْيِهْ
|
|
|
|
لَتْخَالَفْ نْسَامْ([6])
|
|
هَبُوكْ لَمّا امْحَسَنْيِهْ
|
|
|
|
فِيْهَا بَنَاتُ زْخَامُ([7])
|
|
أَحْمِي عَلَى امْشَبّ جَهْدِي
|
|
|
|
لَمّا كِدَنَّهْ طْعَامُ([8])
|
|
لاَ مُتّ بِاللهْ ادْفِنُونَا
|
|
|
|
وْهَبَوا عَلَيَّا مْقَامُ([9])
|
|
ويْسُفْ هُوْ شَاخْ امْشَعَارَهْ
|
|
|
|
وْسُودْ هَيْجِهْ عَرَامُ([10])
|
| |
|
|
أما ابن غازل (الشاعر دوريش حسن المعروف بابن غازل (1925- 1992م) أشهر شعراء تهامة على الإطلاق في النصف الثاني من القرن العشرين) فأغلب الظن أن (سود معمى) قد التقى به إما في اليمن أو في السعودية، ولكن ليس بين يدي روايات تجمعه به أو أشعار تبادلها معه.. إلا أن لسود نصوصاً كثيرة في الإشادة بشاعريته وتفوقه الإبداعي مثل قوله من لون امشنب على لهجة بني قيس:
|
وْشَكْتُبْ لابِنْ غَازِلْ([11])
|
|
|
|
هُوْ بَيْنَ الشّعَارَهْ يْكِيْلْ([12])
|
|
وْدَوّرْتْ في الدّنْيَا([13])
|
|
|
|
مَا لْقِيْتْ لُهْ لا مْثِيْلْ([14])
|
| |
|
|
ومما لا شك فيه أن (سود) قد ولد بعد موت مبارك بكير شاعر تهامة الأسطوري بمدة، إلا أن الزمن الذي شب فيه (سود معمى ) كان لا يزال طري الذاكرة بأخبار بكير الأسطورية وبالمحفوظ من شعره، كما أن (سود معمى) كغيره من الشعراء يقدر بكير تقديراً عالياً، ولم أسمعه يذكر بكير أو يروي له، ولكني وجدته يتخذ من بكير مرجعية له في قوله:
|
وْنَاسُ كْمَغْصَانْ رَاوِيْنْ([15])
|
|
مِثْلَ امْغُصُونْ حَقّ مَبْرُوْتْ([16])
|
|
|
مَا تَلْكُسَهْ لا شَمَاسِيْ([17])
|
|
| |
|
|
|
|
فهو في هذا النص يتمرجع في قصيدة بكير ذات القصة المشهورة؛ إذ يروى أن رجلاً عزّب من وادي مور إلى وادي زبيد وكان فقيراً فأعجبه الحال (العيش) هناك فجاور رجلاً فقيراً مثله وولدت له زوجته ابنة بالغة الجمال، وولد لجاره الزبيدي ولد بالغ الوسامة، وقبل أن يشب المولودان مات والدا البنت الموريان، فتبناها جارهما الزبيدي، وكان فرحاً بها وبجمالها ويتمنى أن يزوجها ولده، فلما شبت وشب الولد اشتعل الحب في قلبيهما وهام كل منهما بصاحبه ولكن أحد الحاقدين أبى إلا أن يفرق بينهما، فذهب إلى وادي مور يبحث عن أهل الفتاة حتى اهتدى إلى أعمام لها في المعترض([18]) فأخبرهم بخبر ابنتهم، فجاءوا إلى وادي زبيد، وقاموا بأخذها ومن ثم تزويجها لواحد من أبناء عمومتها.
فأصابت الولد لوثة فتوله وهام على وجهه يصحبه رفيق له، فظلا لفترة يقطعان الوديان من خبت إلى حز، ومن سفح إلى جبل، حتى دخلا ذات يوم شعباً يسمى شعب مبروت فوجدا روداً (عودا/غصناً) عجيباً في اخضراره ورشاقته ولينه وطوله؛ فهو لا يشبه ما ألفوه من أغصان في أشجار البلاد فقطعاه، ثم بدءا ينتقلان من قرية إلى قرية، ومن سوق إلى سوق يستفتيان الناس عنه ولا أحد يعرفه، حتى قيل لهما: إن هذا لا يفتيه (يكشف ماهيته) إلا بكير، فذهبا إليه، وعندما بلغا قريته كان الوقت أوان أذان الصبح، فوجدا بكيراً في قَبَلِ([19]) عشته يحمل في يده إبريقاً من الفخار ليتوضأ، فأسند الولد العاشق الرود (الغصن) على العشة فنام على طولها، وانثنى عليها من الجهة الأخرى حتى لامس الأرض، فرمى بكير الإبريق من يده حتى انكسر وقال:
|
بَلَغْنِيْ عِلْمْ مَاكِيْ عِلِمْتْ بَهْ ([20])
|
|
وَلاَ ألّفَوْهْ وَاحْتَفْظْ([21])
|
|
وَانَا اقْرَا الْعِلْمْ وَانْبِيْ الْقُرَهْ([22])
|
|
وَوْعِظْ الّذِي مَا اوْتْعَظْ([23])
|
|
وَدِيْرْ فِي دُنْيَا وْآخِرِهْ([24])
|
|
مِمَّا انْطَعَمْ لِي وْلَظْ([25])
|
|
وَانَا افْتِيْ رْكُوعَ الصَّلاهْ([26])
|
|
خَمْسِهْ عَلَيَّا فَرَضْ([27])
|
|
ذَا رودَ امْكِنّ لَهْ هَيْجِهْ تَسْتُرَهْ([28])
|
|
نُشَمْ وشَوْحَطْ وَمُظّ([29])
|
|
ذَا شَرْقَةَ الشّمِشْ مَا تَا صِلَهْ([30])
|
|
مَعَ غَرْبَةَ الشّمِشْ نَظّ([31])
|
|
وَلْكَانَ الْهِنْدْ يَتْفَرّدْ بَأقْصُرَهْ([32])
|
|
مَبْرُوتْ فَيّضْ وفَضّ([33])
|
|
ذَا مْزَوّعُ نَاظُّ
|
|
وذَا عَاشْ مْن امّهْ وْنَظّ([34])
|
|
ذَا لاَسَرَى مِن زَبِيْدْ
|
|
يَهْجَعَ امْزَيْدْيِهْ وْيَصْبِحَ المُعْتَرِضْ([35])
|
|
ذَا شَرْقْةَ الشّمشْ مَاتَاصِلَهْ
|
|
وَلاَ مَسّ خُفّهْ رَمَضّ([36])
|
|
ذَا امّهْ مِن امْبْتَارِيِهْ
|
|
وَعَادْ بُوهْ مِن حَرَضْ([37])
|
كما أن (سود معمى) يتكئ أيضاً على مبارك بكير في مواطن أخرى منها شعره الشهير:
|
وْمَنَكّدُ الْقَلْبْ مَجْرُوْحْ([38])
|
|
مَاكِي وْقَعَنْ لِي إِفَادَهْ([39])
|
|
عِنبْ سَفَرْجَلْ وْرُمّانْ
|
|
تَجْنِيْهْ أوّلْ وَرَادَهْ([40])
|
|
وْذَاكَ الْغَرِيمَ الّذي اعْنِيْهْ([41])
|
|
وْكُلّيْ يْبَلّغْ مُرَادَهْ([42])
|
|
وْعِنْدَكْ عَلَى جَرْمَلِيْ جْدِيْدْ
|
المزيد