كتبهامهدي الجيلاني ، في 19 مارس 2011
الساعة: 22:33 م
| |
|
إشكاليات التجاور والتجييل
|
|
صحيفة الثورة
|
|
السبت , 19 مارس 2011 م
|
|
|
(2-2)

كتاب/ أصوات متجاورة
علوان مهدي الجيلاني
عبر عقود القرن العشرين، عرف المشهد الشعري اليمني مجموعة من الأجيال الشعرية التي تعاقبت متواشجة متغايرة.. يقدم كل جيل منها بصمته الشعرية متضمنة استجابته لموجهات زمنه وانفعاله بالأحداث والتبدلات.. ولكن جيلاً شعرياً من تلك الأجيال لم يشكل حالة من الزخم الإبداعي المرتكز على كثرة الأسماء وتنوع التجارب، وتعدد المرجعيات.. والاحتفاء بأشكال الكتابة الشعرية قديمها وحديثها، وتجاور الأصوات كما فعل جيل التسعينيات الشعري.. فقد مثل هذا الجيل مرحلة التتويج لكل مراحل التحديث التي اجترحتها الأجيال السابقة من أجل الحضور في الزمن وليس بعده… وبمقدار ما شكل هذا الجيل حالة التتويج تلك فقد كان أكثر الأجيال الشعرية ازدحاماً بالتناقضات.. حيث يمكن أن نقرأ في جانب منه التجاوز الكامل لكل ما سبق.. كما يمكن أن نقرأ في جانب منه قدراً من الاجترار لتجربة الجيل السبعيني وما امتد منه في الثمانينيات.. أيضاً يمكن أن نقرأ في جانب منه نكوصاً واضحاً عن كل ما أنجزه السبعينيون، وعودة إلى محاكاة نماذج سابقة.. يضاف إلى ذلك ما يمكن أن نقرأه في جانب آخر منه يتعلق بتجارب حفر كل منها نهراً خاصاً به، غير مهموم بمسألة الأشكال وقضايا الاجترار أو المماثلة أو التجاوز والاختلاف.. هذا على مستوى الشكل.
اختياري لتحقيب التسعينيين بوصفهم جيلاً شعرياً، هو أيضاً اختيار طالما اشتجرت حوله مثافقاتنا على صفحات الصحف وفي مقايل اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ومنتدى أشياء، وديوان المنصور، ومقهى النخيل، وغيرها.. وكانت الممانعات والاعتراضات والتحفظات أكثر من القبول والموافقة..
ولعل أكثر وجوه المعارضة يمثلها ما كتبه الشاعر والناقد أحمد السلامي تعبيراً عن توجسه من مغالطة المصطلح حين نرتب عليه صلة بالنصوص التي أنتجها الجيل الذي ندرسه.. خاصة إذا كان الجيل -موضوع الدرس- جيل التسعينيات في اليمن.. ومؤدى توجس السلامي (أن النظر إلى التجييل بوصفه مسألة إجرائية بحتة لا علاقة لها بتطور المنتج النصي وفتوحاته ينطبق تماماً على شعراء التسعينيات الذين لا يمثل ظهور أغلبهم في العقد الماضي أية أهمية من شأنها الانعكاس على الحكم بتطور أو اختلاف نتاجهم الشعري)(9).
مثل السلامي الشاعر والناقد محمد ناجي أحمد، فهو أيضاً لديه (ملاحظات، حول مسألة التجييل بمعنى كل عشر سنوات جيل)، هذه في رأيه (عبارة عن تقنية نقدية يستخدمها الناقد كعملية إجرائية، لكن أن تضع هذا الشاعر في خانة التسعينيات، وهذا في خانة الثمانينيات، فيصبح التجييل عملاً مغلقاً، وإجبارياً، وقدرياً لا) يؤكد ناجي (لست مع هذا الوهم، ممكن أتعاطى مع كاتب، مع شاعر من الستينيات، ويعيش الأجيال المعرفية، فأشعر أنه ينتمي للحظة التي يستطيع أن يجسدها، مسألة التجييل باعتقادي فيها خطأ..وما يسمون بالتسعينيين هم الأقدر على التجسيد المعرفي لثقافة الألفية الثالثة.. فالمسألة مرتبطة باستمراريتك المعرفية لا أكثر)(10).
ومع ذلك فقد كان اختياري للتحقيب أو التجييل مبنياً على جملة أسباب تتضمن الجانب الإجرائي البحت الذي يوافق عليه السلامي في اعتراضه المشار إليه.. كما تتضمن ما يخالف اعتراضه، واعتراضات الآخرين بشكل واضح ومؤكد بجملة من المبررات.. منها: أن مفهوم (الجيل).. وضع أساساً من قبل الدارسين في الغرب لتسهيل تبويب الخصائص الإبداعية المشتركة لأدباء تشاركوا الظهور في عقد زمني ما.. وهو تبويب يسهل أيضاً اكتشاف آثار الظروف والأوضاع والأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبصمات المستجدات الثقافية والتيارات الفكرية في متجهات الإبداع ومضامينه عندهم.
وهذا ما يفهمه أكثر النقاد الذين اهتموا بالتجييل أو وجدوا التجييل يفرض نفسه على تناولاتهم النقدية بوصفه مسألة إجرائية، كذلك بوصفه مكتنزاً بفوائد أخرى.. فقد استفاد منه الناقد عبد الودود سيف في مقدمة مختاراته لجيل التسعينيات الذي كان جزءاً من مشروع يقدم أجيال الشعر في اليمن عبر عقود القرن العشرين، بوصفه مسألة إجرائية بحتة حيث (جرت عملية تخطيطه منذ البدء على فكرة العقود، والعقد لا ينطوي في فكرته التي وظف بها على معنى المجايلة بمفهومها الفني، وإنما أسست الفكرة نفسها على أساس تسهيل عملية التصنيف والتقسيم ليس إلا)(11).. يضيف سيف (بأن تصنيف الشاعر إلى عقد من العقود قد روعي فيه بأن يكون العقد الذي صنف فيه الشاعر: إما لأنه الزمان الذي عرف بأنه ظهر فيه، أو عرف بأنه اشتهر فيه)(12).
التجييل (لأسباب تنظيمية لغرض البحث العلمي)(13) في المقام الأول.. يحبذه أيضاً الشاعر والناقد مبارك سالمين.. ويؤكد الناقد حاتم الصكر أنه أمر تقبله (الدراسة النقدية اليوم)(14) ولكنه يؤكد فوائده الأخرى.. فالدراسات النقدية في نظر الصكر تقبل اليوم (التجييل أو التحقيب المرحلي، حسب أعمار الشعراء أو ظهور أعمالهم)(15) انطلاقاً (من كون الشعراء إنما يستجيبون لمؤثرات عامة. تتشكل على أساسها - كمهيمنات - أصواتهم وتجاربهم استناداً إلى تغيرات ثقافية ومرحلية ومعرفية)(16).
يضاف إلى ذلك أننا (نلمس ميلاً خاصاً لدى الشعراء للإنتماء إلى جيل أدبي جديد لتأكيد الخصوصية والتفرد وتأكيد الرغبة لتجاوز الجيل السابق)(17). حتى لو امتلك هذا الجيل (ملامح وقواسم أسلوبية ورؤيوية وتعبيرية مشتركة مع الأجيال أو الموجات الشعرية السابقة، إلا أن كل جيل سيظل يسعى للتميز عن الأجيال التي سبقته بخصائص وسمات خاصة به. حسب فاضل ثامر.. الذي يذهب إلى (أن هذا الهاجس العميق - أي الرغبة في التحقيب والانتماء إلى جيل جديد- قد أصبح إحدى القوى الدينامية الدافعة في حركة الحداثة الشعرية)(18).
ولكنني مع ذلك أعترف أن التجربة والاشتغال العملي على موضوع كهذا لا يوصل إلى قناعة تامة.. فثمة شعور يخالج النفس دائماً أن التجييل يبقى تبويباً نقدياً تسكنه التناقضات واللايقين، لأمر بديهي هو فردية التجربة الشعرية وجماعية الجيل.. فبمقدار ما سيفيد التجييل (الأديب المختلف والمؤتلف في توثيق بروزه الأدبي في عقد معين)(19) والتأشير على مظاهر اختلافه النسبية أو الكلية، امتداده من الجيل أو الأجيال التي سبقته أو انقطاعه عنها ستبقى معضلة الاختلافات في الأساليب وطرق التعبير بين أبناء الجيل فرداً فرداً، أو بين بعض أبناء الجيل والبعض الآخر قائمة وموجودة لا سبيل إلى تجاهلها.
****
أخيراً.. لا بد من التنبيه إلى أن هذه المقاربات سواء في اشتغالها الواسع على الجيل التسعيني أو في استعراضها من خلال المدخل التاريخي للأجيال الشعرية السابقة في اليمن عبر عقود القرن العشرين قد ركزت كثيراً على المشهد اليمني، واكتفت بإشارات هنا وهناك إلى الموجهات القادمة من خارج اليمن دون التفات إلى إشكاليات تلك الموجهات بوصفها نصوصاً أو أفكاراً نظرية في حواضنها التي جاءت منها.. كما يجدر الاعتراف بأن دراسة الجيل التسعيني في اليمن أو تناول الأجيال السابقة عليه وفق استقصاء أنطولوجي شامل لكل ما هو موجود على الساحة منذ إطلالة القرن العشرين وحتى إطلالة القرن الواحد والعشرين يظل طموحاً يستعصي على التحقق.. فقد غابت الكثير من الأصوات، ولم تذكر حتى كأسماء، إما للاكتفاء بالتمثيل لها بغيرها، وإن كان هذا غير مقنع، وإما لأنها كانت تكتب الشعر ولم تكن مهمومة به.. وهذا كثير مع الأسف.. فليس بوسعنا عند تناول تجربة الأجيال السابقة على الجيل التسعيني أن نقارن تجارب شعرية ضئيلة المواهب أو متواضعة الإخلاص للشعر، أو قليلة الطموح إلى الاختلاف بتجارب موهوبة ومخلصة وطامحة، ومتحققة تجاوزاً وجوهر شعر.
ليس بوسعنا مثلاً أن نقارن تجربة القاضي عبد الرحمن الإرياني بتجربة الزبيري، أو تجربة العزي مصوعي -مثلاً- بتجربة إبراهيم الحضراني، أو تجربة محمد أحمد منصور بتجربة حسن الشرفي، أو تجربة سالم زين باحميد بتجربة عبد الودود سيف.
هذا فيما يتعلق بالأجيال السابقة على التسعينيين ممن استعرضنا بعض أسمائها وخصائصها في التمهيد التاريخي..
أما بالنسبة للتسعينيين وهم مادة الكتاب، فقد حاولت جاهداً أن أستقصي قدر الإمكان أهم الأصوات وأقواها حضوراً من خلال المقاربات المفردة لتجارب بذاتها احتواها الجزء الثاني من هذا الكتاب.. وإن كنت لم أوفق في التعرض لجميع الأصوات المهمة؛ لأن تجربة باذخة ورائدة داخل المنجز التسعيني اليمني إبداعاً للنص واشتغالاً على نصوص الآخرين.. مثل: تجربة عبد الناصر مجلي، كان يجب أن تكون حاضرة.. كذلك تجارب لأسماء فارقة الحضور مثل هدى أبلان، نبيلة الزبير، عبد المجيد التركي، هايل الغابري، عبد السلام الكبسي، آمنة يوسف، علي ربيع، عبد الوكيل السروري..
أو أسماء كانت ظاهرة بقوة في أول موجات الجيل التسعيني ثم اختطفها الموت في ألق توهجها.. مثل: نبيل السروري، عبد الرحمن الحجري، أحمد شاجع، عادل البروي، مختار الضبيري.
أو أسماء ذات تجارب مميزة اختارت لنفسها أن تحضر من بعيد مثل: محمد العابد، توفيق القباطي، مختار الدبعي، محمد الذهب.
أو أسماء اختارت لنفسها أن تكون على صراط بين حضور متوهج يتخلله الغياب.. مثل: سلطان عزعزي، هزاع مقبل، عبد الحكيم الفقيه، خالد الشامي، عادل قحطان.
أو أسماء يستعصي حضورها وغيابها على التصنيف.. مثل: علي بارجاء، عبد الكريم الوشلي، إبراهيم القانص، محمد الشامي، نادية مرعي، أحمد مغلس، فيصل البريهي، عبدالله الكوكباني، كمال البرتاني، مهدي الحيدري، صلاح الدكاك، محمد الطماح , أحمد الشحري، عبد الله عصبة، محمد الجرادي، أكرم عبد الفتاح، صلاح الشامي، علياء فضائل.
وقد تم تناول بعض هؤلاء إلى جانب زملاء لهم من خلال المقتربات المتعددة الزوايا لتجربة التسعينيين التي اشتمل عليها الجزء الأول من هذا الكتاب.
الهوامش:
1- من حوار مع الشاعر محمد حسين هيثم، صحيفة 26 سبتمبر، العدد 1278، الخميس 31 أغسطس 2006 م.
2- الكتابة الجديدة، هوامش على المشهد الإبداعي في اليمن، أحمد السلامي، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء 2003م، ص22-23.
3- من حوار مع الشاعر اليمني أحمد السلامي لـ (موقع إيلاف) الإلكتروني، تحت عنوان: التجربة الشعرية اليمنية لا تقل أهمية عن أي تجربة شعرية عربية، أجراه الصحفي محمد الحمامصي، الأحد , 28 أكتوبر 2007م. http://www.anaweeen.net/index.php?action=showDetails&id=1313
4- في اليمن .. مصالحة بين أشكال الشعر، الأهرام العربي، السبت 17، 4،2010http://arabi.ahram.org.eg/arabi/Ahram/2010/4/17/CULT1.HTM
5- نفس المرجع.
6- المرجع السابق.
7- الشاعر محمد المنصور، من حوار لصحيفة «الثقافية» أجراه معه الشاعر علي جاحز، تحت عنوان (ادِّعاء الأبوية ضد طبيعة تجربة أو تجارب التسعينيين) الخميس , 6 سبتمبر 2007 م، نفي المنصور للتضاد مع التراث أو التخاصم والقطيعة بين الكتابة الجديدة والأشكال الأخرى ليس دقيقاً في عمومه، فقد حدث من ذلك الكثير، ولكنه لم يكن ضاجاً على نحو ما شهدته أقطار عربية أخرى، وما نشر في الملاحق والملفات والصفحات الثقافية وحتى على مستوى بعض الفعاليات خلال عقد التسعينيات وحتى منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة يشهد بذلك.. فقد كانت بعض الصفحات الثقافية تقاطع مبدعين ولا تنشر لهم أو عنهم حتى على مستوى الخبر الصحفي، لا لشيء سوى أن اختياراتهم في الكتابة تخالف اختيارات القائمين على تلك الصفحات.. كما استبعدت أسماء من كتب تموضعت التسعينيين للأسباب نفسها، وستأتي لاحقاً أدلة على هذا من أهمها مقتطف من كتابة كتبها المنصور نفسه ذات يوم.
8- نفس المرجع.
9- الكتابة الجديدة، أحمد السلامي، مرجع سابق، ص 26، 27.
10- ما بين الأقواس متقتبسات من حوار أجراه معه أحمد عبد الرحمن لصحيفة الجمهورية، الأحد 26 أكتوبر-تشرين الأول 2008م، http://www.algomhoriah.net/atach.php?id=17913
11- ديوان الشعر اليمني المعاصر - الشعر التسعيني، عبد الودود سيف، مؤسسة العفيف الثقافية، صنعاء، 1999م، ص15.
12- نفس المرجع، ص15.
13- نقد الشعر اليمني المعاصر.. وشَرَك المدرسة، مبارك سالمين، صحيفة 26 سبتمبر، العدد 1241، الخميس 2 فبراير-شباط 2006م.
14- قصيدة النثر في اليمن أجيال وأصوات، حاتم الصكر، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، ط1، 2003م، ص28.
15- قصيدة النثر في اليمن أجيال وأصوات، مرجع سابق، ص28.
16- قصيدة النثر في اليمن نفس المرجع، ص28.
17- ينظر: أجيال الحداثة الشعرية في العراق، فاضل ثامر، موقع الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق http://www.iraqiwritersunion.com/modules.php?name=News&file=article&sid=9994
18- نفس المرجع السابق.
19- المرجع السابق.
|
http://www.althawranew.net/newspaper/index.php?action=showDetails&id=8437
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
مقلات أدبية |
دوّن الإدراج